الصفحة 163 من 272

أما في الإسلام - في صورته الصحيحة - فقد كانت الأخلاق قيما حقيقية أصيلة لأن هدفها لم يكن الربح المادي ، ولا كانت قائمة عليه ، إنما هدفها الوفاء"بالميثاق"المعقود مع الله ، وقائمة على قاعدة"العبادة"لله . كما كانت كذلك قيما حضارية أصيلة لأنها ذات صبغة"إنسانية"غير محصورة في جنس ولا لون ، إنما هي صادرة من"الإنسان"بوصفه إنسانا - مؤمنا - وموجهة إلى"الإنسان"حتى ولو لم يكن مؤمنا بما يؤمن به المسلمون .

وحين كانت الأمة تمارس إيمانها الحق ، وعبادتها الحقة ، وكانت"الأخلاق"في حسها جزءا من العبادة المفروضة على المسلم المؤمن حدثت معجزات كثيرة لم تتكرر في التاريخ .

ففي أقل من نصف قرن امتد الفتح الإسلامي من الهند شرقا إلى المحيط غربا ، وهي سرعة مذهلة لا مثيل لها في التاريخ كله . ولم يكن الكسب هو"الأرض"التي فتحت ، فما خرج المسلمون من الجزيرة يريدون التوسع في الأرض ! إنما كان هدفهم ، كما قال ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس:"الله ابتثعنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

كان الكسب الأعظم هو"القلوب"التي اهتدت بنور الله فدخلت في دين الله .

ولم يكن ذلك عن رهبة من سطوة الفاتحين ، ولا قهرا قهرهم عليه الفاتحون ! فقد أمنوهم على أنفسهم وعلى عقائدهم ، وشهد الناس بأعينهم حقيقة الأمان الذي منحه المسلمون لمن بقي على دينه ولم يشأ أن يدخل في الإسلام .

إنما كانت"أخلاق"الفاتحين من أكبر الأسباب التي فتحت قلوب الناس لهذا الدين . ولا عجب فقد كانت أخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل من أكبر الأسباب في هداية من اهتدى من الناس كما شهد له ربه:

( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (1)

(1) سورة القلم [ 4 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت