الصفحة 153 من 272

وخذ سلمان الفارسي حين قام عمر - رضي الله عنه - على المنبر يقول: أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا ، فقال له سلمان: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة ! فقال عمر - ولم يغضب - ولمه ؟ قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ! فلم يغضب عمر ، ونادى ابنه عبد الله بن عمر فقال له: نشدتك الله ! هذا البرد الذي ائتزرت به أهو بردك ؟ قال: نعم ! .. قال سلمان: الآن مر ! نسمع ونطع !

هل كان أيهما يؤدي شعيرة من الشعائر ؟ إنما كان يؤدي كل منهما عبادة ! سلمان يتعبد الله بالرقابة على أعمال الحاكم للتأكد من جريان العدل الرباني مجراه ، وعمر - بروح العبادة في قمتها - لا يغضب من مساءلة الرعية له على متر زائد من القماش !

وخذ هذا الرجل الفقير وامرأته ، إذ همّ الرجل أن يشكو فقره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعطيه ما يذهب عنه فاقته ، فتقول له امرأته: أتشكو الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ؟! فيحجم الرجل ويصبر !

ألم تكن هذه لحظة عبادة ؟ وفي القمة من العبادة ؟!

وخذ هذا الرجل الذي خرج للقتال وفي يده تمرات ، فأعجلته ريح الجنة فلم يصبر ، فرمى التمرات من يده وهو يقول: لئن بقيت حتى أنتهي من هذه إنه لأمر يطول !!

كيف تُسَمَّى هذه اللحظات الفائقة .. إن لم تكن لحظات عبادة في أعلى القمة من العبادة ؟!

كذلك كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يعبدون ربهم ..

يعبدونه بالصلاة والنسك ..

ويعبدونه بالعمل ..

ويعبدونه بالترويح النظيف الطاهر الذي يمنع العمى عن القلوب ..

وفرق كبير بين أن تقتصر العبادة على الصلاة والنسك والشعائر ، ويخرج منها العمل والترويح ، وبين أن تكون كلها عبادة ، يتنقل الإنسان فيما بينها ساعة بعد ساعة ، ولكنه لا يخرج في أي ساعة من دائرة العبادة التي يتوجه فيها القلب إلى الله ، ويلتزم فيها بأوامر الله ..

فارق في النظافة النفسية والسلوكية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت