ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب وهو يناشده أن يسلم: قلها يا عم ! كلمة أشفع لك بها عند الله ! فهل كان يتصور من أبي طالب أن يرفض الكلمة لو أنها مجرد الكلمة ، أي لو لم يكن لها مقتضى ، ولا يترتب على قولها تغيير ؟ أم إنه رفضها من أجل ما يترتب على التلفظ بها من تغيير كامل في منهج الحياة كله ، وفي كل جزئية من جزئياته ؟
تلك بديهية لا نحسبها موضع جدال .
لقد كان البون شاسعا جدا بين صورة حياتهم التي كانوا عليها والصورة التي يدعون إليها ، وكانت معارضتهم لهذه الدعوة متعددة الصور متعددة الأسباب:
كانوا يكذبون بقضية الوحي ..
ويكذبون بالبعث والحشر والحساب والجزاء ..
وكانوا يرفضون أن يجعلوا الآلهة إلها واحدا ..
وكانوا يرفضون أن يتركوا ما عليه آباؤهم ويتبعوا ما أنزل الله ، وأن يكون حلالهم وحرامهم ما أحل الله وما حرم الله ..
وذلك فضلا عن الأمور"الخلقية"الأخرى كالخمر والميسر والزنا والقتل والسلب والنهب ووأد البنات وأكل مال اليتيم والظلم المتفشي بينهم والبغي بغير الحق ..
باختصار .. كانوا يرفضون أن يتلقوا"الدين"من عند الله ، بمعناه الواسع الشامل ، الذي يشمل الاعتقاد والشعائر والتحليل والتحريم ، والأخلاقيات والتصورات ، كما يرفضون أن يلتزموا بما يلزمهم به الدين المنزل من عند الله .
وكانت أهم القضايا التي ركز عليها القرآن قضيتان رئيسيتان ، تجمعان في طياتهما جميع القضايا: قضية توجيه العبادة لله الواحد ، وقضية اتباع ما أنزل الله في التحليل والتحريم:
( وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) (1)
(1) سورة ص [ 4 - 5 ] .