إنما بمعنى أن العمل في الحياة الدنيا انفصل في حس الناس عن دائرة الإيمان حين انحصرت هذه في التصديق والإقرار ، وعن دائرة العبادة حين انحصرت هذه في الشعائر .. فصار للعمل ركيزة أخرى غير العبادة ، لتكن هي الكسب ، أو هي الاقتناء والملك ، أو هي الغلبة والسيطرة ، أو هي المتاع الحسي أو المتاع المعنوي .. أو أي دافع من الدوافع"الذاتية"التي تدفع الإنسان للإنتاج والعمل غير مرتبطة بالإيمان بالله أو التعبد إليه .. وصار في حس الإنسان أنه حين"يعبد"ينقطع عن العمل ، وحين"يعمل"ينقطع عن العبادة ، وصارت له ساعتان منفصلتان تماما لا يربط بينهما رابط: ساعة العمل وساعة العبادة ، فضلا عن ساعة ثالثة خارج العمل والعبادة جميعا ، هي ساعة اللهو أو الترويح - بريئا أو غير بريء ! - فصارت كل واحدة من هذه الدوائر الثلاث منفصلة عن الأخرى ،"مقفلة"على ما فيها ، ولم يعد الإنسان يصل إلى أي واحدة منها إلا بالخروج من الدائرتين الأخريين !
لم يكن الجيل الأول الذي رباه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفهم الأمر على هذا النحو الشائه الذي انحرفت إليه الأجيال المتأخرة . إنما كان - كما قدمنا - يفهم الحياة كلها على أنها عبادة ، تشمل الصلاة والنسك وتشمل العمل كله ، وتشمل لحظة الترويح كذلك . فلا شيء في حياة الإنسان كلها خارج من دائرة العبادة التي تنحصر فيها غاية الوجود الإنساني على هذه الأرض . وإنما هي ساعة بعد ساعة في أنواع مختلفة من العبادة ، كلها عبادة وإن اختلفت أنواعها ومجالاتها ونطاقاتها .
الصلاة والنسك عبادة .
والكدح عبادة ، سواء كان كدحا سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو فكريا أو علميا .. الخ .
والترويح عن القلوب لكي لا تكل ولا تمل عبادة .
فأما الصلاة والنسك فأمر العبادة فيها واضح لا يحتاج إلى بيان .