الصفحة 150 من 272

وأما الكدح فقد كان الأمر فيه واضحا تماما للجيل الذي رباه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عينه . الذين كانوا يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل .

كان الكدح - وهو العمل في واقع الحياة - هو العبادة الدائمة التي يقوم بها المسلم ، والتي يتزود - من أجل القيام بها - بذلك الزاد الروحي العميق الذي تمنحه إياه الشعائر التعبدية ، حين يقوم بها على صورتها الحقة ، من الخلوص إلى الله ، والتجرد إليه ، والخشوع والخشية والإخبات .

وكانت العبادة في ذلك الكدح تتمثل في أمرين رئيسيين:

التوجه به إلى الله ، والالتزام فيه بما أنزل الله ، ومن ثم يتحول لتوه إلى عبادة يتقرب بها إلى الله ، ويستحق عليها الثواب من عند الله .

وأما الترويح فقد كانوا يرون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يداعب أزواجه ويدخل السرور على أهله ، ويتبسط مع أصحابه - رضوان الله عليهم - ويصحبهم إلى جلسة في بستان أو رياضة إلى خارج المدينة ، وتقام بين يديه مباريات في الفروسية .. وكان يدعوهم ويوجههم إلى ما يجلو الكلل والملل عن قلوبهم في غير مأثم ولا استغراق يطغى على الواجبات ، فكانوا يستشعرون أن الترويح على هذه الصورة - حين تسمح به ظروفهم المكتظة بالأعباء - منشّط للعبادة ومعين عليها ، ومن ثم فهو داخل في إطارها ..

وهكذا يقضون الحياة كلها في عبادة .. عبادة تشمل نشاط الروح كله ، ونشاط العقل كله ، ونشاط الجسد كله ، ما دام هذا كله مُتَوجَّهًا به إلى الله ، وملتَزَمًا فيه بما أنزل الله .. وهي في الوقت ذاته عبادة لا تعنت الإنسان ولا تكلفه ما لا طاقة له به ، لأنها تأخذ نشاطه الطبيعي ، الذي يمكن أن يصدر عنه بحكم تكوينه ذاته ، فتحوله إلى عبادة بتلك اللمسة البسيطة العميقة في ذات الوقت ، التي توجهه إلى الله ، وتبتغي به مرضاة الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت