وحين خرج العمل السياسي من دائرة العبادة تخلخلت أول عروة من عرى الإسلام - عروة الحكم - وإن كانت لم تنقض تماما في مبدأ الأمر ، فقد بقي الناس في المجتمع الإسلامي يتحاكمون إلى شريعة الله ، لا يرون غيرها شريعة واجبة الطاعة ولا واجبة التنفيذ . ولكن صحب تحكيم شريعة الله جور من الحكام ومظالم تجعل التطبيق غير كامل كما أوجبه الله ونفذه السلف الصالح .. ومرت قرون من هذا التحكيم المصحوب بالجور والظلم حتى نقضت تلك العروة تماما في العصر الحديث حين نحيت شريعة الله عن الحكم أصلا واستبدلت بها شرائع البشر ، فكانت أول عرى الإسلام نقضا كما قال الصادق الصدوق - صلى الله عليه وسلم -:"لتنقضن عرى هذا الدين عروة عروة ، فأولها نقضا الحكم ، وآخرها نقضا الصلاة" (1)
ومع وجود العوامل التي أشرنا إليها ، والتي أخرجت العمل السياسي من دائرة العبادة ، لم يكن من المتوقع أن يقف الانحسار في مفهوم العقيدة ومفهوم العبادة عند هذا الحد . إنما كان المتوقع أن يسري الانحسار تدريجيا إلى بقية أنواع العمل ، فأُخرجت تدريجيا من دائرة الإيمان ودائرة العبادة ، لا بمعنى أن الناس لم يعودوا يعملون ، فالإنسان لا يمكن أن يكف عن العمل في الحياة الدنيا ، وقد خلقه الله للكدح الدائم فيها:
( يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ) (2)
(1) أخرجه أحمد .
(2) سورة الانشقاق [ 6 ] .