وهكذا يصبح"العمل السياسي"جزءا من العقيدة وجزءا من العبادة ، لا خارج هذه الدائرة ولا تلك . وهكذا فهمت الأمة وهي تراجع عمر - رضي الله عنه - فيقول له واحد من رعيته: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ! وتقول له امرأة من رعيته حين أمر بعدم المغالاة في المهور: لقد حجرت واسعا ! الله يقول:"وآتيتم إحداهن قنطارا"وأنت تضيق على الناس ؟! فيقول: أخطأ عمر وأصابت امرأة !
ولكن الاستبداد السياسي الذي بدأه الأمويون في حياة الأمة الإسلامية منذ وقت مبكر ، مضافا إليه التفلت التدريجي من التكاليف ، والصوفية التي أنشأتها ظروف معينة في حياة الأمة ، والفكر الإرجائي الذي حصر الإيمان - الذي يدخل به الناس الجنة - في التصديق والإقرار .. كل هذه العوامل مجتمعة حصرت العبادة في حس الناس في الشعائر التعبدية فحسب ، وأصبح الإسلام في حس الناس أقرب إلى أن يكون ممارسة فردية يقوم بها كل إنسان بمفرده ، حين بعد الناس عن ممارسة"العمل السياسي"الإسلامي ، وهو أبرز ما تقوم به الجماعة المسلمة من الأمور ، وهو الذي استحقت من أجله وصف الله لها بأنها خير أمة أخرجت للناس .
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (1)
(1) سورة آل عمران [ 110 ] .