وأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثابتة حق كلها .. ولكن الاجتزاء بحديث معين من أحاديث الإيمان منقطعا عن بقية الأحاديث التي تحدد حقيقة الإيمان أو تحدد نواقضه ، لا يمكن أن يؤدي إلى إدراك صحيح .. وإلا فهل يعقل بداهة أن يطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشهادة لرجل بالإيمان ( إن صح الحديث ) لمجرد أنه يعتاد المساجد ، إذا كان الرجل واقعا في شرك صريح ينقض لا إله إلا الله من أساسها ، وينقض أصل الإيمان ؟! أليس الإقرار بلا إله إلا الله - ومن مقتضياتها التحاكم إلى شريعة الله - شرطا لازما للإيمان قبل اعتياد المساجد وإقامة الصلاة وإن لم يذكر ذلك في الحديث الآنف الذكر ، لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة ، الذي بينته أحاديث أخرى للرسول - صلى الله عليه وسلم - كما بينته الآيات المحكمات من كتاب الله ؟
ولقد كان المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر - رضي الله عنه - يقيمون الصلاة ويعتادون المساجد ، ومع ذلك لم يشهد لهم أحد بالإيمان ! بل قوتلوا وحوربوا لأنهم أعرضوا عن حكم واحد من أحكام الله ، مع إقرارهم - وتنفيذهم - لبقية الأحكام .. فكيف بمن يعرضون عن حكم الله كله ، ويُقْبِلُون راضين على حكم غير حكم الله ؟!
والناس اليوم قد يجهلون أن التحاكم إلى غير شريعة الله عن رضا وإرادة هو ارتداد عن الإسلام ينقض أصل الإيمان . وما نريد أن ندخل في قضية الحكم على هذا الجيل من الناس ، وهل هم معذورون بجهلهم أم غير معذورين ، فتلك قضية لا نخوض فيها أصلا للأسباب التي بيناها في غير هذا الكتاب (1) .
ولكنا الآن في معرض البيان ..
(1) اقرأ إن شئت"قضية الحكم على الناس"ص 439 - 454 من كتاب"واقعنا المعاصر".