الصفحة 142 من 272

ولقد كان مبدأ التفرقة في أول الأمر قضية"اصطلاح". فلا إله إلا الله"عقيدة"، والشعائر"عبادات"ومع خطورة هذه التفرقة الاصطلاحية في ذاتها - كخطورة التفرقة الاصطلاحية بين"العبادات"و"المعاملات"- (1) فإن الخطر كان محدود الأثر في بادئ الأمر حين كانت"العقيدة"تؤخذ بمعناها الحقيقي الذي نزلت به من عند الله ، وفهمه السلف الصالح ، وهو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات ، وما يقتضيه ذلك في حياة الإنسان اعتقادا وفكرا وسلوكا .. فأما حين عمل الفكر الإرجائي على اختزال عقيدة التوحيد ، وإفراغها من مضمونها الحيّ كله ، وحصرها في مجرد التصديق للنجاة في الآخرة ، والإقرار اللفظي للنجاة في الدنيا .. فقد تقلص جانب ضخم من"العبادة"الحقيقية التي افترضها الله على العباد ، وأصبح الباقي منها - حتى لو أُدِّيَ على أكمل صورة - قاصرا على أن يوفي المعنى الحقيقي للعبادة التي خلق الله الخلق من أجلها ، وقال عنها سبحانه:

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (2)

(1) فرق علماء الإسلام تفريقا اصطلاحيا بين"العقيدة"و"العبادات"و"المعاملات"لمقتضيات"علمية"تخصصية ، ولكن كان في حسهم أن"الدين"يشملها كلها ، ولا يقتصر على أيٍّ منها ، وأن أي واحدة منها - بمفردها - لا تمثل الدين سواء في شموله وتكامله ، أو في كونه مفروضا على الناس للالتزام والتنفيذ .. ولكن حين حدث التخلخل خلال المسيرة التاريخية أثرت هذه التفرقة الاصطلاحية تأثيرا سيئا في مفاهيم الناس ، حين اقتصر مفهوم"العبادة"على أداء الشعائر التعبدية فحسب ، وخرجت منها العقيدة والمعاملات .

(2) سورة الذاريات [ 56 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت