وما كانت تلك الأمة لتقدر على دك حصون الشرك واقتلاعها بمثل هذه السهولة ، وبمثل هذه السرعة التي لا مثيل لها في التاريخ .
وما كانت لتقدر على إبراز تلك المثل الرفيعة التي أبرزتها في عالم الواقع ، من إقامة العدل الرباني في الأرض ، ونظافة التعامل ، والوفاء بالمواثيق ، وشجاعة النفس ، والبطولة الفذة في ميدان القتال وميدان السلم سواء ..
وما كانت لتقدر على إنشاء حركتها العلمية الضخمة ، ولا حركتها الحضارية الفائقة ..
ما كانت لتقدر على ذلك كله ، ولا على شيء منه ، لولا هذا الإحساس العميق لديها بأنها في ذلك كله تقوم بالعبادة التي خلق الله الإنسان من أجلها ، وتقوم به بذات الحس التي تؤدي به الصلاة ..
على أي صورة إذن ينبغي أن يعبد المسلم ربه ليحقق غاية وجوده التي خلقه الله من أجلها ، وحصر فيها غاية وجوده ؟
يعبده بادئ ذي بدء بتوحيده جل وعلا ..
أي بالإقرار بأنه لا إله إلا هو - سبحانه - المتفرد بالربوبية والألوهية ، المتفرد في أسمائه وصفاته وأفعاله:
( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) (1) .
( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) (2)
وهذه العبادة الأولى - كما أسلفنا في الفصل السابق - لها مقتضياتها التي لا تتم إلا بها ، وليست مجرد كلمة تنطق باللسان وينتهي الأمر و"تسدد الخانة"، كما زعم الفكر الإرجائي للناس بغير سند من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
(1) سورة محمد [ 19 ] .
(2) سورة النساء [ 36 ] .