وواضح أن الخطاب في الآيتين موجه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه موجه للأمة كلها من ورائه ، وأن الخصوصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي في كونه أول المسلمين ، وليست في التكليف ذاته ، الذي هو تكليف لكل مسلم يشهد أنه لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله .
وكذلك فهمت الأجيال الأولى معنى العبادة كما فرضها الله ..
كان إحساس المسلم في تلك الأجيال بواجبه في الجهاد في سبيل الله كإحساسه بواجبه في الصلاة . هنا يعبد الله وهناك يعبد الله . ولا تغني إحدى العبادتين عن الأخرى ، لأن كلا منهما - بمفردها - لا تحقق المعنى الكامل للعبادة التي يريدها الله .
وكان إحساسه بضرورة الزواج لكي يحصن نفسه من الفاحشة ، ولكي يتخذ السبيل إلى تكثير الأمة المسلمة التي تجاهد لاقتلاع الشرك من الأرض ، ونشر التوحيد وإقامة شريعة الله في ربوعها ، هو إحساس العبادة . ولا يتناقض في حسه معنى العبادة مع الإحساس بمتعة الجسد ما دامت في حلال أباحه الله . ولما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وفي بضع أحدكم صدقة"دهشوا بادئ الأمر ، وقالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليأتي زوجه شهوة منه ثم يكون له عليها أجر ؟! فبين لهم الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم -: قال:"أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فإذ وضعها في حلال فله عليها أجر" (1) ومن ثم لم يعودوا بعد ذلك يدهشون . وعلموا أن نشاط الجسد الطبيعي هو في الإسلام عبادة ما دام يبتغي فيه وجه الله ، ويلتزم فيه بأوامر الله .
كذلك كان إحساس المسلم بسعيه في طلب الرزق ، وطلبه للعلم ، وعمارته للأرض ، وكل نشاط جسده وعقله وروحه .. كلها عبادة . عبادة على الحقيقة لا على المجاز . عبادة يقوم بها بذات الإخلاص الذي يؤدي به الصلاة .
ومن ثم حققت تلك الأمة ما حققته من منجزات في كل اتجاه ، وما حققته من معجزات ..
(1) أخرجه مسلم .