وأما الذكر على طريقة الخلوة التعبدية التي يغيب فيها الإنسان عن الواقع المحسوس ، وينقطع عن الدنيا من أجل أن يخلو إلى ربه ، فينقطع بذلك عن العمل في واقع الأرض .. فهذا أيضا لم يؤثر عن ذلك الجيل الفريد ..
ولما همّ بذلك قوم من المسلمين نهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان:
"ذهب ثلاثة رهط إلى بيت من بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عن عبادته - صلى الله عليه وسلم - فلما أخبروا كأنهم تقالّوها . فقالوا: أين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام . وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء . فلما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأعبدكم له ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
إنما كانوا يقومون بالعبادة وهم يمارسون الحياة في شتى مجالاتها ، وكانت عبادتهم الكبرى هي العمل في شتى مجالات الحياة . كانوا يذكرون الله فيسألون أنفسهم: هل هم في الموضع الذي يرضى الله عنه أم فيما يسخط الله ؟ فإن كانوا في موضع الرضى حمدوا الله ، وإن كانوا على غير ذلك استغفروا الله وتابوا إليه:
( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (1) .
(1) سورة آل عمران [ 135 - 136 ] .