الصفحة 130 من 272

ثم إن الله فرض عليه عبادة تناسب تكوينه وتناسب مهمته: تناسب طاقاته المتنوعة ، والكبد الذي يعانيه ، والكدح الذي يلازمه ، وتناسب في الوقت ذاته مواهبه التي اختص بها بين الكائنات ، ومجالات نشاطه الواسعة ، والأمانة التي يحملها .. عبادة لا تعنته في شيء ، ولا تكلفه ما لا يطيق ، وتتسع في الوقت ذاته حتى تشمل وجوده كله وعمره كله من لحظة التكليف إلى لحظة الموت ، لا تند عنها لحظة واحدة من لحظات الوعي ، ولا لمحة ولا خاطر ولا لون من ألوان النشاط:

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) (1)

تلك هي العبادة التي كلف بها الإنسان ، تشمل الصلاة والنسك - أي الشعائر التعبدية - وتشمل معها كل الحياة .. وكذلك فهم الجيل الأول - رضوان الله عليهم - معنى العبادة ..

لم يحصروها قط في داخل الشعائر التعبدية ، بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء الشعائر التعبدية هي وحدها لحظات العبادة ، وتكون بقية حياتهم"خارج العبادة"!

إنما كان في حسهم أن حياتهم كلها عبادة ، وأن الشعائر إنما هي لحظات مركزة ، يتزود الإنسان فيها بالطاقة الروحية التي تعينه على أداء بقية العبادة المطلوبة منه ، ولذلك كانوا يحتفلون بها احتفالا خاصا ، كما يحتفل المسافر بالزاد الذي يعينه على الطريق ، وباللحظة التي يحصل فيها على الزاد .

كانوا كما وصفهم ربهم: ( يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ) (2)

أي في جميع أحوالهم ..

وكما في قلنا في أكثر من موضع في أكثر من كتاب ، لم يكن ذكرهم مجرد الذكر باللسان ، ولا مجرد الذكر بالقلب ، إنما كان إلى جانب هذا وذاك عملا يؤدى بروح العبادة لله .

فأما الذكر على طريقة الطقطقة بالمسابح فلم يؤثر عنهم - رضوان الله عليهم - .

(1) سورة الأنعام [ 162 - 163 ] .

(2) سورة آل عمران [ 191 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت