وعندئذ فقط يؤدي التصنيع دوره الحقيقي في دفع الفقر وزيادة الدخل ورفع قيمة العملة المحلية وتوفير وسائل القوة للبلاد فضلا عن"البركة"التي تصيب حياة الناس حين يرفعون من حياتهم لعنة الربا ، فيرفع الله عنهم المحن ، ويفتح عليهم بركات من السماء والأرض ..
يشكو"المصلحون"كما قلنا من روح الفوضى والارتجال وفقدان الروح العلمية والعملية في تناول المشكلات ..
وهذا كله صحيح .. ولكن ما سببه ؟
ألم يحاول أولئك"المصلحون"خلال قرن كامل من الزمان أن يصلحوا كل هذه العيوب ؟
فلماذا خابوا ؟!
إن المنطقة التي انتشر فيها الإسلام بقدر من الله ، يقع معظمها - كما أوضحنا في كتاب"واقعنا المعاصر"- في المنطقة الحارة والمنطقة المعتدلة الحارة ( إلا ما ندر منها ) ، وهذه البيئة - بطبيعتها - بيئة فوضوية تكره النظام ، عفوية تكره التخطيط ، قصيرة النفس تشتعل حماسة ثم تنطفئ حماستها بعد قليل قبل أن تكمل إنجاز ما تحمست له !
ومن هناك التقطها الإسلام ، فأنشأ منها"خير أمة أخرجت للناس".
وما أحب أن أكرر هنا ما قلته هناك ..
ولكن هذه الأمة تعلمت من دينها الانضباط والنظام وطول النفس والروح العملية والنظرة الموضوعية في خط مضاد تماما لأثر البيئة الفوضوية الارتجالية المبعثرة .. وكان ذلك أثرا من آثار العمل بمقتضيات لا إله إلا الله الكثيرة المتنوعة الشاملة . فلما انحسر تأثير الإسلام ، حين أفرغت لا إله إلا الله من مضمونها الحقيقي ، وأصبح كل المطلوب منها هو التصديق والإقرار ، عاد أثر البيئة هو المسيطر على الناس ، وعاد الناس إلى فوضويتهم ، وعفويتهم ، وتبعثرهم ، وقصر نفسهم ..
ويشكو"المصلحون"من ذلك ، ولهم الحق ..