ولكن هذا لا يمنعنا من إشارة عابرة إلى أن أي انحراف في توحيد الاعتقاد ( أي توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات ) هو شرك ، وأي انحراف في توحيد العبادة ( أي توجيه كل ألوان العبادة لله وحده بلا شريك ) هو شرك ، وأي انحراف في توحيد الحاكمية ( أي التحاكم إلى شريعة الله وحدها دون غيرها من الشرائع ) هو كذلك شرك . وكلها - الثلاثة - على ذات المستوى من الدخول في أصل العقيدة ، والشرك في أيها هو الشرك الأكبر المخرج من الملة:
( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (1)
فهذه تشمل شرك العبادة وشرك الحاكمية .
( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (2) .
وهذه تشمل شرك الحاكمية وشرك الاعتقاد .. وكلها سواء .
حين كانت الأجيال الأولى من المسلمين تدرك مفهوم لا إله إلا الله على حقيقته ، وتحققه في واقع حياتها ، كانت"خير أمة أخرجت للناس"وكانت هي الأمة الممكنة في الأرض ، وكانت هي أمة العلم والحضارة ، وأمة القيم والأخلاق ، وحدثت على يديها تلك المعجزات التي يعرفها التاريخ في شتى المجالات ..
وحين انحسر مفهوم لا إله إلا الله في نفوس الأجيال المتأخرة من هذه الأمة - مع غيره من المفاهيم - وحين لم يعد له واقع في حياتها ، تحقق فيها نذير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلى إلى قصعتها . قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: إنكم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" (3)
(1) سورة النحل [ 35 ] .
(2) سورة التوبة [ 31 ] .
(3) أخرجه أحمد وأبو داود .