الصفحة 56 من 58

ولعل أبرز مثل لذلك؛ ذهاب موسى عليه السلام لمصاحبة الخضر والتعلم منه، وذلك رغم مكانة موسى عليه السلام، ورغم أنه أفضل من الخضر، إلا أنه قال له: {هل أتبعك على أن تعلمن مما عُلِّمْتَ رشدًا} .

وهؤلاء تلاميذ معاذ بن جبل ومحبوه - الذين كانوا يترددون عليه ويتعلمون منه - كانوا يبكون بكاءً شديدًا حزنًا على فراق معاذ حينما مَرِضَ مَرَضَ الموت، وذلك من أجل شعورهم أنهم سيفقدون ذلك المجلس الإيماني العظيم، الذي كانوا يجلسون فيه إلى معاذ بن جبل يجدد لهم إيمانهم ويعلمهم الحكمة والعلم بالله وبأمر الله.

فعن يزيد بن عميرة قال: (لما مَرِضَ معاذ بن جبل مرضه الذي قُبِضَ فيه كان يُغْشى عليه أحيانًا ويفيق أحيانًا، حتى غشي عليه غشيةً ظننا أنه قد قُبِضَ، ثم أفاق وأنا مقابِلُهُ أبكي، فقال: ما يبكيك؟! قلت: والله لا أبكي على دنيا كنتُ أنالُها منك، ولا على نسبٍ بيني وبينك ولكن أبكي على العلم والحكم الذي أسمع منك يذهب! قال: فلا تبك! فإن العلم والإيمان مكانَهما، من ابتغاهما وجدهما، فابتغه حيث ابتغاه إبراهيم عليه السلام فإنه سأل الله تعالى وهو لا يعلم - وتلا: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} -) .

ويمكن للأخ أيضًا زيارة بعض آباء الشهداء والمقربين إليهم أو أصدقائهم، للاستماع إلى تاريخ حياتهم، وكيف كانوا يتعاملون مع ربهم ومع الناس ومع أهلهم.

لقد كان أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب يزوران أم أيمن حاضنة الرسول الرسول صلى الله عليه وسلم - كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يزورها - وليتذكروا سويًا أيام الرسول الكريم.

فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال أبوبكر رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - لعمر: (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها) ، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: (ما يبكيك؟ ما عند الله خيرٌ لرسوله،) ، فقالت: (ما أبكي أَنْ لا أكونَ أَعْلَمُ أَنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله، ولكنْ أبكي أنَّ الوحيَ قد انقطع من السماء) ، فهَيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان معها.

سادسًا؛ تَذَكُّر أيام الله:

ومن الأسباب التي تعين على تجديد الإيمان؛ أن تتذكر أيام الله.

وقد أمر الله سيدنا موسى عليه السلام أن يُذَكِّرَ بني اسرائيل بأيام الله، قال تعالى: {وذكرهم بأيام الله} ، وكأنها مهمة أساسية من مهام موسى عليه السلام، ومعناها؛ ذَكَّر بتلك الأيام التي أنجى الله فيها بني اسرائيل وغرق فيها فرعون وقومه، وذكرهم بأيام الله، بتلك الأيام التي نصر الله فيها أولياءه وأعز جنده وهزم الكفار وحده، ذكرهم بآيات الله الباهرة في تلك الأيام التي خلع الله فيها على أوليائه خُلعةَ النصر والتمكين في الأرض.

وما أصبح صومُ يومِ عاشوراء سُنَّةً في الإسلام؛ إلا لنتذكر هذا اليوم العظيم الذي أنجى الله فيه موسى ومن معه من المؤمنين، وأغرق فيه فرعونَ ومن معه من الكافرين، إنه يومٌ من أيام الله حقًا، ولذا فإننا نصومه كل عام شكرًا لله عز وجل على ذلك النصر العظيم، ولنكثر من سؤال الله عز وجل في ذلك اليوم أن يهلك فراعنة عصرنا وزبانيتهم كما أهلك فرعونَ موسى وزبانيتَه، وأن يهلك هامان عصرنا وجنده كما أهلك هامان وجنوده وغرقهم مع سيدهم فرعون في اليم، ولِنُكْثِرَ من سؤال الله في مثل ذلك اليوم أن ينصرنا وينجينا من أيدي الفراعنة، وأن يمكن لنا كما مكن لموسى ومن معه من المؤمنين في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت