الصفحة 55 من 58

ومن وسائل تجديد الإيمان؛ أن يزور الأخ القبور بين الحين والآخر، ويجلس عندها متدبرًا متفكرًا داعيًا لنفسه ولموتى المسلمين، مستحضرًا في هذه اللحظات الموت وما بعده، ويتفكر لو أنه كان الآن مكان صاحب هذا القبر الذي يجلس أمامه في تلك اللحظة؛ فكيف يكون حسابُه؟ وبماذا سيجيب ربه؟ وهل ستكون العاقبة له أم عليه؟

ثم يتدبر؛ أن هؤلاء الموتى كان منهم القوي والضعيف، والظالم والمظلوم، والغني والفقير، والأمير والحقير، والشاب والشيخ والصالح والطالح، فكلهم الآن تحت الثرى قد تركوا الدنيا وزينتها طوعًا أو كرهًا، وفارقوا الأحباب والخلان، ولم تصحبهم في تلك القبور الموحشة سوى أعمالهم، فمن كان عمله صالحًا كان قبره روضة من رياض الجنة، ومن كان غير ذلك كان قبره حفرةً من حفر النار - والعياذ بالله -

وفي زيارة الأخ للقبور يتفكر أيضًا في ذنوبه وتقصيره، ويستجمع فكره وعقله في تلك الأمور كلها، ثم يعزم بعد ذلك مع ربه عزمةَ صدقٍ - لا تردد فيها ولا نكوص عنها - على التوبة الخالصة والعمل الجاد في سبيل نصرة الإسلام.

ومن العجيب؛ أنك ترى بعض الإخوة الذين يعملون للإسلام منذ سنوات لم يزوروا القبور مرة واحدة، بل قد نجد أحدهم قد توفى أحدُ والديه أو كلاهما منذ سنوات، ولم يذهب لزيارة قبره مرة واحدة! وهذا نقصٌ في الوفاء، ودليلٌ على عدم البر.

وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على زيارة القبور فقال: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرةَ) .

وجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها تشكو من قسوة قلبها، فأمرتها بأن تتذكر الموت بين الحين والآخر، ففعلت، فذهبت قساوة قلبها وجاءت تشكر السيدة عائشة نصيحتها.

ولقد كان أحد العلماء المجاهدين يحرص بين الحين والآخر على اصطحاب بعض الإخوة بعد صلاة الصبح لزيارة القبور، ويعظهم هناك موعظة بليغة، حتى أنه في أحد تلك المواعظ قال: (لئن لم يرزقنا الله الشهادة في سبيله لَنُعَذَّبَنَّ عذابًا أليمًا، فذنوبنا كثيرة وأعمالنا قليلة) ، ثم بكى، وبكى الحاضرون جميعًا.

وكان الدعاة وطلبة العلم والمصلحون - منذ أكثر من عشر سنوات - في جامعة أسيوط ينظمون بين الحين والآخر رحلة لزيارة القبور، فكان يجتمع في هذه الرحلة أكثر من ثلاثين أخًا بعد صلاة الصبح يومَ الجمعة، وكنا نذهب إلى المقابر، حيث يتحدث أحد الإخوة ويعظ الحاضرين بموعظة بليغة موجزةٍ عن الموت وأهوال القبور ويوم القيامة والتوبة، ثم يذهب كل أخٍ ليجلس منفردًا عند أحد القبور متفكرًا متدبرًا فيما حوله، وداعيًا خاشعًا تائبًا، ثم يظل الإخوة على هذه الحالة قرابة الساعة، ثم يعودون أدراجهم مجتمعين في صمت دون كلام أو مزاح، وكان لهذه الرحلة تأثير طيبٌ جدًا على الإخوة، وكانت تذكرهم فعلًا بالآخرة، وتحثهم على التوبة والأوبة، وتربي في نفوسهم الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، وتجدد إيمانهم حقًا.

خامسًا؛ زيارة الصالحين:

ومن وسائل تجديد الإيمان؛ زيارة الصالحين والمجاهدين وأهل السَّبق في العمل الإسلامي، فهذه الزيارات لها أثر عظيم في تجديد الإيمان وصقله، وإذا كانت رؤية هؤلاء وحدها زادًا على الطريق الإيماني فكيف بمجالستهم ومصاحبتهم والاستماع إليهم والتعلم منهم والاستماع إليهم وإلى سيرتهم العطرة وسير زملائهم المجاهدين والصالحين؟! وكيف كان زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة والموت في سبيل الله, وتضحياتهم في الدعوة والحسبة والجهاد؟!

وإن مثل هذه الزيارات تمثل شحنًا لبطارية إيمان الأخ التي قد تكون أوشكت على النفاد.

وقد كان عمر بن الخطاب يقول: (لولا ثلاث ما أحببتُ البقاء في الدنيا) ، ويعدد من هؤلاء الثلاث: (مصاحبة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما تنتقون أطايب الثمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت