إن طريق الحق صعب وشاق، ومملوء بالأشواك والأشلاء والجميع الآن يعلمون ذلك علم اليقين، وبل وعين اليقين، وكيف لا؟! وهم يشاهدون ويسمعون في كل يوم زبانية الجاهلية وهم يوجهون بنادقهم ورصاصهم في صدور المؤمنين، وأصبح مبدأ الجاهلية الآن؛"إطلاق الرصاص في سويداء القلب مباشرة"، حتى أن عصر اطلاق الغازات المسيلة للدموع والخانقة، وتكسير الأيدي والأرجل، ولىَّ وذهب.
إن طريق الحق - رغم وعورته وصعوبته - إلا أن المؤمن يستعذب هذا الطريق ويحبه، ويجد للسير فيه حلاوة تجل عن الوصف! إذ لا يعرفها إلا من ذاقها، ومهما وصفت لكم هذه الحلاوة والسعادة، فلن أوفِّيها حقها في الوصف - أسأل الله أن يرزقنيها وإياكم والمسلمين أجمعين -
وهذه الحلاوة تُهوِّن عليه كل صعب، وتُيَسِّر عليه كل عسير، وتذلل أمامه كل عقبة، وتجعله راضيًا عن مولاه وخالقه حتى وهو يمر بأحلك ساعاته وأشد أيامه.
ألم تر إلى الصحابي الجليل حرام بن ملحان حينما طعن غدرًا بالحربة، فلما أنْفِذَتِ الحربةُ ورأى الدم قال: (فزت ورب الكعبة) .
وكذلك الصحابي الجليل عثمان بن مظعون الذي فقئت عينه في سبيل الله بعد أن رد جوار المشرك الذي كان في جواره، ورضي بجوار الله، فقال له الوليد بن المغيرة: (أما والله يا ابن أخي! إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة) ، فقال له عثمان: (بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك) .
بل ألم تسمع إلى قولة خالد بن الوليد التي يقول فيها: (ما من ليلة يهدى إليَّ فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام، أحب إليَّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سرية أصَبِّح فيها العدو) .
بل إن صلاح الدين الأيوبي - من فرط حبه للجهاد، واستعذابه الموت والجراحة والتعب في سبيل الله - كره حياة القصور والترف، وأحب حياة الخيام والصحراء، حتى قال عنه المؤرخون:"إنه ما عاد له حديثُ إلا عن الجهاد والمجاهدين، ولا نظرٌ إلا في آلته، ورضي أن يعيش في خيمة في الصحراء".
وهذا عمير بن الحمام رضي الله عنه لما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر؛ أن الله أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام قائلًا: (يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟!) ، قال: (نعم) ، قال: (بخٍ، بخٍ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك"بخٍ بخٍ") ؟! قال: (لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها) ، قال: (فإنك من أهلها) ، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: (إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة) ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل.
إنه استعذب الطريق وشعر بحلاوته، فاستبطأ هذه الدقائق التي كان سيأكل فيها عدة تمرات، واستبطأ تلك اللحظات التي ستؤخره عن الجنة، وكأنها دهر.
وهذا خبيب بن عدي يقول عند قتله:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
وهذا عمير بن أبي وقاص - شقيق سعد بن أبي وقاص الصغير، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره - يوم بدر، يذهب إلى حيث المعركة ويختبئ من الرسول صلى الله عليه وسلم خشية أن يَرُدَّه، فلما علم الرسول الكريم، رغبته وإصراره على القتال أجازه، وقاتل وقتل في سبيل الله.