الصفحة 9 من 58

قد يرى أحدنا كيف يتسلط الظالمون على المؤمنين في بلاد المسلمين، ويرى شرطتهم وجنودهم وزبانيتهم وهم يعتقلون المسلمين، فلا يكاد يمر يوم إلا ويعتقل العشرات بل والمئات، بل إن زبانية التعذيب لم يتوقفوا ليلة واحدة عن تعذيب المسلمين منذ زمن طويل، ولم يتركوا طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا ولا شابًا إلا نال قسطًا وافرًا من ذلك.

فخلال تلك السنوات كلها؛ أُجْهِضَت الأخوات، وضُرِبْنَ، وتُرِكن ينمن على بلاط الزنازين في برد الشتاء، وعذب الأطفال تعذيبًا شديدًا، بل وتركوا أيامًا دون طعام، وكانت الأعياد تأتي على الإخوة وهم ما بين معتقلٍ، وسجينٍ، وطريدٍ، وشريدٍ، وقتيلٍ، وجريحٍ، فلا يستشعر هؤلاء وأسرهم وآباؤهم وأمهاتهم وأولادهم وزوجاتهم أي فرحة للعيد.

قد يرى أحدنا ذلك وغيره مما يحدث معه وحوله، فيتسلل الشيطان إلى النفوس فيوسوس لها قادحًا في حكمة القدر، قائلًا - لعنه الله:

"كيف يقوى أعداء الله وزبانيتهم يوم بعد يوم، ويمتلكون أحدث الأجهزة في مقاومة المؤمنين؟ ويزدادون شموخًا يومًا بعد يومٍ، ويتقلبون في البلاد، ويتحكمون في العباد كيف شاءوا، وتدين لهم الرقاب، وكيف تكونون أولياء الله، وأنتم ملقون في زنازين عبارةٍ عن ثلاجات في الشتاء وأفران في الصيف، لا تجدون طعامًا ولا شرابًا ولا كساءً ولا غطاءً، بل ولا هواءً يكفي لتنفسكم؟!"- وتلك حقيقة لا يصدقها إلا من عاش في مثل هذه الأماكن -

"وكيف يتقلب أباطرة الحكم العلماني في النعيم والمتاع والظلال الوارفة وهم في منعة وقوة من أسباب الدنيا؟ بل كيف يغدو ويروح جلادو التعذيب وهم يضحكون ويتمازحون، في نفس الوقت الذي يعلقون فيه الأخ كالذبيحة من يديه خلف ظهره ولأعلى، وهو يصرخ صراخًا شديدًا حتى يغشى عليه؟!".

تلك هي وساوس الشيطان التي يوسوس بها في تلك اللحظات العصيبة، وذلك هو حديث النفس الأمارة بالسوء في تلك المواقف الصعبة، وهذه وتلك تحتاج لمجاهدة عظيمة، وما هي إلا ابتلاء فوق ابتلاء يحتاج إلى الثبات فيه.

فعلى الأخ أن يقول لنفسه: أتُرى لو أن الله أراد اتخاذ شهداء، فكيف لا يخلق أقوامًا يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين؟! أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة؟! وبعلي إلا مثل أبي ملجم؟! وبسمية إلا مثل أبي جهل؟!

وليذكر الأخ نفسه بقوله تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا} ، وبقوله تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين} .

وعليه أن يقول لنفسه كما قال ابن الجوزي: (قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف كبياض نهار، ولا ينبغي للمُسْتَعْمَلِ في الطين أن يلبس نظيف الثياب، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه، فمن ترفه وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة، وعوقب على التواني فيما كُلِّفَ) .

فهذه النبرة تقوِّي أزر الصبر.

ثم يقول لنفسه: فليأخذوا الدنيا - بفرض صفوها لهم - ويكفي لنا الآخرة، فالدنيا كلها متاع زائل ولا تساوي عند الله جناح بعوضة.

وعليه أن يردد بقلبه ولسانه قول سحرة فرعون - الذين غمر الإيمان قلوبهم - لفرعون العصر وفرعون كل عصر: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} .

وعليه أن يذكر نفسه أن هؤلاء الطواغيت، وإن ملأوا الدنيا ضجيجًا وصياحًا وتهديدًا ووعيدًا للمؤمنين، فإن ذل المعصية ونكدها وغمها لا يفارقهم أبدًا، كما قال الحسن البصري: (فإنهم، وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية في وجوههم أبى الله إلا أن يذل من عصاه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت