الصفحة 43 من 58

وليعلم كل من يعمل للإسلام؛ أن خشوعه وخضوعه لله بالليل هو الذي سيفتح له مغاليق الأمور، ويفتح له مغاليق القلوب، وهو سبب قوي لأن يضع الله له القبول في الأرض، فيهتدي الناس به مع أقل جهد وأبسط سبب، وفي بعض الأحيان دون سبب ظاهر، فمن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله.

إن قيام الليل أخي المسلم؛ هو المدرسة الأساسية التي ستعلمك رقة القلب، وتربي عينيك أن تسح دموع الأوبة والخشوع والخضوع لله، وستعطيك قوة جديدة في العمل للإسلام، وزادًا عظيمًا من التوكل الحق على الله، وستهبك شجاعة في مواجهة أعداء الإسلام إنها ستجعل قلبك قويًا عامرًا بالإيمان، فالقلب هو مَلِكُ الأعضاء المتوج وهم جنوده، فإذا صَلَح المَلِكُ وكان قويًا كانت جنوده مظفرة منصورة, والعكس صحيح، والناس إنما تسير إلى الله بقلوبها - لا بجوارحها - كما يقول العلماء.

وقد يقول البعض: إنني أنشغل كثيرًا بأمور العمل الإسلامي، فلا يتبقى لي وقت لقيام الليل!

وأنا أقول لهؤلاء الإخوة: لابد أن تعلموا أولًا: أن قيام الليل هو العمل للإسلام، بل هو من أساسياته ولوازمه، وهو ضرورة من ضروريات الإعداد الجيد للجماعة المسلمة والدولة المسلمة.

ولابد أن تعلموا ثانيًا: أن على كل أخٍ أن يقوم من كل ليلة شيئًا، فإذا كان عنده متسع من الوقت ونشاط بدني ونفسي فإنه يقوم قيامًا طويلًا بجزء من القرآن مثلًا مع الإكثار من الدعاء في السجود، والإكثار من الأذكار الأخرى عمومًا، أما إذا ضاق وقته أو لم يكن في نشاط بدني ونفسي؛ فإنه يكتفي بشيء يسير, أو نفس العدد من الركعات ولكنها خفيفة قصيرة القراءة، أمَّا أّنْ يعتاد على ترك القيام على الدوام أو في معظم لياليه؛ فهذا لا يصح بحال من مثله!

وليعلم هؤلاء الإخوة؛ أن الجماعة المسلمة كلها لو واظبت على قيام الليل، في السراء والضراء والمنشط والمكره، والعسر واليسر، فإن هذه الجماعة سيكون لها شأن عظيم، وتكون بذلك قد قامت بعمل إسلامي جليل وعظيم، وقد يكون ذلك أفضل من أعمال كثيرة أخرى.

ورغم ذلك كله، فإني أُذَكِّرُ؛ أن الجمع بين العمل الإسلامي بقوة واجتهاد والمواظبة على قيام الليل والاجتهاد فيه، يحتاج إلى عزيمة قوية وإحساس قوي من الأخ بأهمية كل هذه الأمور، وأن يتفكر دومًا في كلمة سيدنا عمر بن الخطاب الذي كان يقول: (إن نمت ليلي أضعت نفسي، وإن نمت نهاري أضعت الرعية) ، وكان رضي الله عنه يتميز بقيامه الليل على خير وجه رغم مشاكله العديدة، إذ إنه يحكم معظم العالم وقت ذلك.

وقد بلغ من اهتمام سيدنا عمر بالقيام؛ أن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا يحبون الاقتداء به في ذلك، ويحرصون على السؤال عن قيامه حتى بعد موته، لدرجة أن أحد الصحابة تزوج إحدى زوجات عمر بن الخطاب ليس لشيء سوى أن يتعرف منها على قيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك ليقتدي به!

وكان سيدنا عثمان بن عفان - وهو خليفة المسلمين، ويحكم الدنيا من أقصاها إلى أقصاها - كان يختم القرآن في ليلة واحدة، وهذا ثابت في أحاديث صحيحة وعن أئمة الإسلام العظام.

وليس ذلك من قبيل المدح والثناء والمبالغة فيهما، وقد قالت امرأته للذين قتلوه: (اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يحي الليل بالقرآن في ركعة) .

وكذلك كان عبد الله بن الزبير رغم مسئولياته العظيمة - قبل أو بعد الخلافة - فقد قالت عنه أمه أسماء رضي الله عنها: (كان ابن الزبير قوامَ الليل، صوامَ النهارِ، وكان يُسمّى حمامَ المسجد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت