وهذا وهذا الشيخ خالد ورفاقه منذ بداية جهادهم وحتى لقوا ربهم - وهي الفترة التي عاش الإخوة معهم فيها - كل هذه الفترة وهم يقومون الليل ويصومون النهار، وكانوا يقومون ساعات طويلة من الليل، ويتلون في قيامهم سورًا طويلة، وكان أحدُهم يتميز من بينهم بجمال صوته في القرآن؛ فكان يبكي، ويُبكي من يصلي معه، وقد كان هؤلاء الإخوة مضرب الأمثال لمن عرفهم في قيام الليل والصيام المستمر وغيرهما من العبادات، وكل من عاش معهم تلك الفترة كان يقول؛ إنهم كانوا كالملائكة في صورة البشر! وكانوا من كثرة عبادتهم وسموِّ روحهم وكأنهم يحلقون في السماء وهم على الأرض، ولعل هذا وغيرَه كان سببًا في توفيق الله لهم في واحدة من أعظم وأخطر وأهم العمليات الجهادية في هذا القرن.
وقد وضع الله لهم القبول في الأرض، فما تجد أحدًا من الناس إلا ويحب خالدًا ورفاقه، حتى أعداء الحركة الإسلامية التقليديين كانوا يقدرونهم، ويستشعرون أن لخالد ورفاقه مِنَّةَ عليهم جميعًا وأن جميلَهُ يطوق أعناقهم.
وهذا أحد العلماء العاملين المجاهدين قد رأيته - ورآه معي إخوة كثيرون - لم يتخلف عن القيام ليلة واحدة، وكان يقوم كل ليلة بإحدى عشرة ركعة وبجزءٍ كاملٍ من القرآن، ويضاعف ذلك في شهر رمضان، وذلك رغم كبر سنه ومرضه بالسكر والضغط وغيرهما وكنا - ونحن شباب - نتعب خلفه، ويتهرب البعض أحيانًا، وذلك بالرغم من أننا سنمكث معه في المستشفى عدة أيام فقط! وليس على الدوام.
أما من كانوا يسكنون معه من الإخوة الشباب؛ فما كانوا يواصلون معه كل ليلة، ولذلك قلت لنفسي يومًا من الأيام - بعد خروج الشيخ من محنته: إن من أهم أسباب نجاته هو قيامه بالليل وصيامه بالنهار، رغم تحذير الأطباء له مرارًا وتكرارًا من ذلك الصيام، ورغم ما كان يعانيه من عطشٍ بالنهار يفوق عدة مرات ما يعانيه غيره من الأصحاء - وذلك نتيجة لمرض السكر -
وقلت لنفسي أيضًا: لعل السر في قوة الشيخ في مواجهة الباطل، وقدرته على تحمل الشدائد وتحمل العذاب - وهو الذي جاوز الخمسين من عمره وقد كف بصره، ويعاني من عدة أمراضٍ خطيرة - قلت لنفسي: لعل السر في ذلك كله؛ قيامُه الليلَ، فهو يُعطي القلب قوة ما بعدها من قوة، ويجعل في النفس همة عالية وسموًا ورفعة، حتى أنك ترى الشخص الضعيف الجسم النحيل البدن عنده عزيمةٌ تدك الجبال وتَهُدُّ الحصون! وذلك من كثرة ذُلِّه لله، وخشوعه وخضوعه لمولاه، وخوفه من الله وحده.
فلابد لكل من يعمل للإسلام أن يكون له حظ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
وكان بعض السلف يقول: (إني لأفرح بالليل حين يقبل، لما يَلْتَذُّ به عيشي، وتقر به عيني، من مناجاة مَنْ أحب وخلوتي بخدمته والتذلل بين يديه) .
وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يقسم الليل أثلاثًا؛ بينه وبين امرأته وابنته، فيحوزوا جميعًا الليل كله.
إن قيام الليل هو ملاذ كل من يعمل للإسلام حينما تواجهه المشاكل وتقف أمامه العقبات، أو يقبل بالصدود والنكران، أو تصيبه المصائب، أو يتسلط عليه العدو، فإنه يقف بين يدي ربه ومولاه الحق الذي بيده كل شيء، والذي إذا أراد شيئًا أن يقول له؛ كن، فيكون.
يقف بين يديه سبحانه يدعوه ويرجوه، ويشكو إليه بثه وهمه وحزنه، ويستنصره ويستجير به، فتزيل تلك المناجاة عن نفسه كل هم وغم، وكيف لا وقد وَكَلَ أمره كله لمالك الملك رب السموات والأرض.