الصفحة 35 من 36

ومنها قوله - عندما طلب منه الاعتذار عن العمل لله والدعوة إليه -"لن أعتذر عن العمل مع الله!" [1] .

ويروي المجاهد"ممدوح الديري"الذي كان مع سيد قطب في القفص، قبيل صدور حكم الاعدام عليه، أن أحد الضباط اقترب من سيد قطب في القفص، وسأله عن معنى كلمة"شهيد"فأجابه سيد قطب قائلًا: شهيد يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته!!

ولما حكم عليه بالاعدام قال: الحمد لله [2] .

وقبيل تنفيذ حكم الاعدام به، مر به الأستاذ"أحمد رائف"وسنحت فرصة للتحدث معه، فسأله"رائف"ماذا تنتظر؟

فأجابه سيد قطب بابتسامة واثقة نابعة من صدر هادىء مطمئن: أنتظر الوفود على ربي [3] .

وقبيل تنفيذ حكم الاعدام به، بعث رسالتين إلى صديقه الأستاذ الأديب"أحمد عبد الغفور عطار"في مكة، ووصلتا إليه، ونشرهما في مجلته التي كان يصدرها في ذلك الوقت"كلمة الحق"- العدد الثاني مايو 1967 - بالزنكوغراف، بخط الأستاذ سيد قطب.

والرسالتان من آخر ما كتب الشهيد، وتعتبران وثيقتين هامتين في تصوير قوة إيمان سيد، ودرجة ثباته على ثوابته!

قال في الرسالة الأولى:"أما أنا، فأجدني خيرًا من أي وقت مضى، في عقيدتي وإيماني، وفي وضوح هذه العقيدة وهذا الايمان في نفسي، وفي وضوح إدراكي وتصوري لهذا الأمر ومقتضياته، ووضوح الهدف والوسيلة والطريق والغاية. . وكل هذا خير جزيل جميل، يرجح كل ما أديته ثمنًا له من راحتي وصحتي. . والحمد لله. .".

وقال للعطار في الثانية:"أهم من أن أشكرك - فيما أعتقد - أن أطمئنك علي وأنا في وضعي الذي تعرفه. . لقد وجدت الله، كما لم أجده من قبل قط! ولقد عرفت منهجه وطريقه، كما لم أعرفه من قبل قط:!! ولقد أطمأننت إلى رعايته ووثقت بعهده للمؤمنين، كما لم أطمئن من قبل قط!!. وأنا بعد ذلك على ما عهدتني، مرفوع الرأس لا أحنيه إلا لله. والله يفعل ما يشاء. والله غالب على أمره. ولكن أكثر الناس لا يعلمون!!" [4] .

ولما سيق سيد قطب لتنفيذ حكم الاعدام به، ابتسم - وهو يهم بركوب السيارة - ابتسامة عريضة ساحرة، ملأت وجهه، وأضاءت أساريره، والتقطت وسائل الاعلام هذه الابتسامة، وأودع سيد ابتسامته كل ما يريد قوله، للدعاة الثابتين من بعده، المقتدين به في الثبات، وفعلت الابتسامة فعلها الساحر في قلوب الدعاة، وتركت آثارها بارزة في حياتهم الدعوية الثابتة.

وتم تنفيذ حكم الاعدام بسيد - وأخويه: عبد الفتاح إسماعيل ومحمد يوسف هواش - قبيل فجر يوم الاثنين 13 جمادى الأولى 1366 هـ الموافق 29/ 8 / 1966 م!!

وقال فيه القائل:

يا شهيدًا رفع الله به ... جبهة الحق على طول المدى ...

سوف تبقى في الحنايا علما ... هاديًا للركب رمزًا للفدا ...

ما نسينا أنت قد علمتنا ... بسمة المؤمن في وجه الردى

وصدق فيه قول الله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ. .) [سورة الأحزاب: 23 - 24] .

و. . . شاعر المحنة يحدو للثابتين:

(1) انظر هذه العبارات وغيرها في كتابنا"سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد"طبعة دار القلم.

(2) مذابح الإخوان في سجون ناصر: 137.

(3) البوابة السوداء لأحمد رائف: 223.

(4) انظر قصة الرسالتين وصورتهما بالزنكوغراف في"كلمة الحق"العدد الثاني مايو 67 صفحتي: 13 - 14.وانظر ذلك أيضًا في كتابنا"سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد"طبعة دار القلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت