قال أحمد: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك، وإذ القيود قد أطلقت عني - وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين - وقال لي رجل ممن حضر: لقد أمرنا المعتصم فكبيناك على وجهك، وطرحناك على ظهرك، ودسناك بأقدامنا.
وأتوه بسويق، وقالوا له: إشرب وتقيأ. فقال: أنا صائم لا أفطر!!
قال ميمون بن الأصبع: أخرج أحمد بن حنبل من الحبس، بعد أن اجتمع الناس على الباب، وضجوا، فخاف المعتصم وأطلق سراحه.
ونظم أبو شعيب الحراني هذه الأبيات الثلاثة في ثبات أحمد بن حنبل:
ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم ... بغيًا فثبت بالثبات الأنور ...
قال الموفق حين مدد بينهم ... مد الأديم مع الصعيد القرقر ...
إني أموت ولا أبوء بفجرة ... تصلى بوائقها محل المفتري [1]
ثبات سيد قطب في محنته:
ونختم النماذج الخمسة المختارة لثبات الثابتين، بهذا النموذج، الذي يمثل الثابتين في العصر الحديث.
إنه نموذج الامام الصابر الممتحن الثابت الشهيد سيد قطب، والكل يعرف طرفًا من محنة"سيد"المعاصرة مع الطغيان والطغاة. حيث آذوه بأصناف الايذاء والعذاب فصبر وثبت، وأغروه بصنوف الاغراء والمساومات ليتنازل عن ثوابته، فصبر وثبت.
أقدم هذه اللقطة من تعذيبهم لسيد - كما رواها المجاهد المرحوم جابر رزق في كتابه"مذابح الاخوان في سجون ناصر":
"كان سيد في محنة 1965 قد بلغ الستين من عمره. . ومصاب بالذبحة الصدرية. . بالإضافة إلى مرض الكلى. . وأمراض المعدة. ."
ولم تشفع له سنه، ولم يشفع له مرضه. . ولكنهم استغلوا هذه الأمراض جميعًا في نوع التعذيب الذي تعرض له.
لقد ربطوه في كرسي لمدة أربعة أيام، وحرموه فيها من الطعام والشراب، وحرموه حتى من الماء. . وكانوا يسكبون أمامه الماء. . ومعروف أن مريض الكلى يحتاج إلى كميات كبيرة من الماء. وهم يفعلون ذلك به مبالغة في تعذيبه. ولقد أوشك أن يفقد بصره من شدة التعذيب" [2] ."
أما المساومات والاغراءات فقد استمرت معه حتى في ليلة التنفيذ.
وأكتفي ببعض ما سووِمَ عليه ليلة إعدامه.
تروي المجاهدة"زينب الغزالي"قولها: إن سيء الذكر حمزة البسيوني - مدير السجن - جاء إلى شقيقة سيد، المجاهدة"حميدة"في السجن، لتضغط على شقيقها، ليعتذر عما فعل، لينجو من الاعدام.
وقال لها: إن شقيقك خسارة لمصر كلها، ليس لك وحدك. إنني غير متصور أن نفقد هذا الشخص بعد ساعات، إننا نريد أن ننقذه من الاعدام بأي شكل، وبأية وسيلة. إن بضع كلمات يقولها ستخلصه من حكم الاعدام، ولا يستطيع أحد أن يؤثر عليه إلا أنت. .
وقابلت حميدة شقيقها المقابلة الأخيرة، وعرضت عليه ما سمعته من البسيوني. فقال لها: والله لو كان اتصالنا بدولة أجنبية ضد البلد صحيحًا لقلته، ولما استطاعت قوة من الأرض أن تمنعني من قوله، ولكنه لم يحدث، وأنا لن أقول كذبًا أبدًا.
ثم قال لها: وأنت هل ترضين أن أقوله وأعتذر؟ فقالت له الصابرة المحتسبة: لا. لا تقل.
فقال لها: إنهم لا يستطيعون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا. وإن الأعمار بيد الله، وهم لا يستطيعون التحكم في حياتي. والله من ورائهم محيط. وقد أطلق الثابت المجاهد عبارات عجيبة، أصبحت شعارًا لكل داعية ثابت. منها قوله: لماذا أسترحم؟ إن سجنت بحق، فأنا أرضى حكم الحق، وإن سجنت باطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل!!
ومنها قوله: إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفًا يقر به حكم طاغية.
(1) انظر محنة أحمد وثباته فيها في كتاب"أحمد بن حنبل"للدقر: 170 - 190. وانظر مراجعه هناك.
(2) مذابح الإخوان في سجون ناصر لجابر رزق: 133.