إنه ثبات الإمام الممتحن"أحمد بن حنبل"- رضي الله عنه - حيث ابتلي زمن المأمون والمعتصم، بفتنة"خلق القرآن"وهي الفتنة التي أثارتها المعتزلة، وزعمت أن القرآن مخلوق. فوقف لهم إمام أهل السنة في عصره"أحمد بن حنبل"وقال إن القرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، فالقرآن غير مخلوق. وهذا هو رأي أهل السنة، الذي ثبت عليه الامام.
وسجن الإمام أحمد في أواخر عهد المأمون، وفي عهد المعتصم، وعذب في سجنه عذابًا رهيبًا، وضرب بالسياط، ومع ذلك ثبت ثبات الرجال!
ونقدم لقطات سريعة من محنة ذلك الامام، يتجلى فيها ثباته على ثوابته:
لما سيق إلى المأمون، مر به - وهو في القيود - أحد المسلمين وهو جابر بن عامر، وأوصاه بالثبات على الحق، وقال له: يا إمام: إنك وافد الناس، فلا تكن شؤمًا عليهم. وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة. وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ليس بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدًا" [1] ."
وقبل أن يدخل على المعتصم، قال له أحد المشفقين: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه، أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه شمس ولا قمر". [2] ."
وأدخل أحمد على المعتصم عدة مرات، ودعاه المعتصم في كل مرة إلى التراجع عن رأيه، والقول بما يقولون به، وهو ثابت يأبى عليه أشد الاباء.
ولما أوشك أن ييأس منه. قال له: ويحك يا أحمد. أجبني حتى أطلق عنك يدي.
وهو يرد عليه قائلًا: أعطوني شيئًا من كتاب الله، أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقول به.
فأمر المعتصم الزبانية والجلادين بأخذ الامام وسحبه وجلده. .
وجيء بالعقابين - وهما خشبتان بأخذ الامام وسحبه وجلده. .
وجيء بالعُقابين - وهما خشبتان يُشبَحُ الرجل بينهما ليجلد - وشد الامام على العقابين، وأحضروا السياط ليجلدوه، وجلس المعتصم أمامه على كرسي. وأمر الزبانية بجلد الامام. فجعل الرجل يتقدم فيضربه سوطين ثم يتقدم غيره وهكذا. والمعتصم يخاطب كلا منهم قائلًا: شد. قطع الله يدك.
ولما ضرب الامام تسعة عشر سوطًا، قام إليه المعتصم وقال له: يا أحمد. علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق. . وجعل أحد الزبانية ينخس أحمد بسيفه، ويقول له: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم.
وقال له جلاد آخر: ويلك! الخليفة على رأسك قائم!
وأفتى أحد الظالمين للمعتصم بقتل أحمد، وقال له: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي! أقتله!!
وقال أحد الحاضرين للمعتصم: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في حر الشمس قائم: وأحضروا له مظلة فوق رأسه!!
فقال له المعتصم: يا أحمد: ويلك! ما تقول؟
فيجيب أحمد: أعطوني شيئًا من كتاب الله، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم أقول به!
فأمر المعتصم الجلاد بضرب أحمد، وقال له: تقدم وأوجع، قطع الله يدك.
وصاروا يقولون لأحمد: ويلك من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟
وقال المعتصم لأحمد: ويلك! أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج، حتى أطلق عنك يدي!
وأحمد لا يقول إلا كلمته المعهودة: أعطوني شيئًا من كتاب الله، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أقول به!
واستمر ضرب الجلادين لأحمد بسياطهم، والمعتصم يقول لكل منهم: شد قطع الله يدك!
(1) أحمد بن حنبل لعبد الغني الدقر - أعلام المسلمين رقم 17 - صفحة 171.
(2) المرجع السابق: 8175.