الصفحة 32 من 36

بدأ معه بسلاح الاغراء والمساومة، فقدم له عروضًا مغرية:

قال له: أدخل النصرانية، ولك ما تشاء من الأموال!

ورفض ابن حذافة هذا العرض!

ثم قال له هرقل: أدخل النصرانية، وأزوجك ابنتي!!

ورفض ابن حذافة العرض الثاني!!.

ثم قال له هرقل: أدخل النصرانية وأشركك في ملكي!!

ورفض ابن حذافة العرض الثالث!!

وعرف هرقل أنه أمام نوع خاص من الرجال، فعرض عليه العرض الرابع، قال له: أدخل النصرانية وأعطيك نصف ملكي، ونصف مالي!!

فأجابه ابن حذافة إجابة ثابتة قاطعة: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما يملك العرب، ما رجعت عن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين!!!

لجأ هرقل - بعد فشله في عروضه ومساوماته وإغراءته - إلى السلاح والاضطهاد والتعذيب والتهديد والوعيد. فقال له: إذن أقتلك؟ وما درى هرقل أن من ينتصر على سلاح الاغراء والمساومة، سينتصر على سلاح الاضطهاد والتعذيب، وأن الذي يدوس على الدنيا بقدميه لن يبخل عن تقيدم روحه فداء لدينه.

أجابه ابن حذافة: أنت وذاك!!

وضع ابن حذافة في السجن، ومنع عنه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم قدم له الخمر ولحم الخنزير ليأكله. ولكن ابن حذافة رفض أن يذوقه، واستمر أيامًا بدون طعام أو شراب، حتى أوشك أن يموت!!.

فأخرجه هرقل، وقال له: ما منعك أن تأكل من الخمر والخنزير، وأنت مضطر جائع؟

فقال له: أما إن الضرورة قد أحلَّتْها لي. ولا حرمة علي لو أكلتها، ولكني آثرت أن لا آكل، حتى لا أجعلك تشمت بالاسلام!! ثم أمر هرقل به، فصلبوه، وأوثقوه على الخشبة، وصار الرماة يرمون السهام قريبًا من بدنه، وهو ثابت. وقيصر يعرض عليه التنصر، وهو يأبى!

ثم أنزله، وأمر بوضع ماء في قدر عظيمة، واشعال النار تحتها. ولما صار ماء القدر يغلي، جيء بأسير مسلم، فألقي فيها فذاب لحمه في الماء، وتحول إلى هيكل عظمي، ثم ألقي فيها أسير مسلم ثان. وابن حذافة ينظر!!

ثم أمر هرقل بالقاء ابن حذافة في الماء الذي يغلي، فلما أخذوه ليلقوه بكى!!

فقيل لهرقل: إن ابن حذافة بكى.

فظن هرقل أن بكاء ابن حذافة لخوفه من الموت، وأنه يدل على تراجعه عن موقفه، وتنازله عن ثوابته، وأنه سيستجيب له!

فدعاه. وعرض عليه التنصر. فأبى!!

فقال له: إذن لماذا بكيت؟

فأجابه جوابًا عجيبًا حقًا، أعجزه، وأثبت له فشله معه، وهزيمته أمامه:

بكيت، لأني لا أملك إلا نفسًا واحدة، أبذلها فداء لديني في سبيل الله، وتمنيت لو كان لي بعدد شعري أنفس، أبذلها فداء لديني، وتموت كلها في سبيل الله!!!

وأيقن هرقل بهزيمته أمام ابن حذافة. هزيمته وهو يملك المال والجاه والسلطان والقوة والدنيا، أمام رجل مسلم أعزل مجرد من كل هذه المظاهر.

فعرض عليه العرض الأخير الانهزامي - حفظًا لماء وجهه -: يا ابن حذافة. هل لك أن تقبل رأسي، وأخلي عنك، وأطلق سراحك؟

قال ابن حذافة: نعم. على شرط أن تطلق معي سراح جميع الأسرى المسلمين في سجونكم - وكانوا أكثر من ثلاثمائة أسير -!!

وقبّل ابن حذافة رأس هرقل، وخرج بإخوانه إلى عمر بن الخطاب في المدينة، وأخبره قصته مع هرقل!

وتحرج بعض الصحابة من تقبيل ابن حذافة رأس هرقل، ولاموه عليه، ولم يلتفتوا للثمن الكبير من الأسرى الذين أطلق سراحهم مقابل تلك القبلة. ووافق عمر ابن حذافة على تصرفه. وقال لهم: حق على كل مسلم أن يُقبل رأس ابن حذافة. وأنا أبدأ بذلك!

وقام عمر إلى ابن حذافة، وقبّل رأسه، وتبعه باقي الصحابة [1] !!

ثبات أحمد بن حنبل في محنته:

وهذا نموذج للثابتين على ثوابتهم، يمثل"الثبات"في التاريخ الاسلامي.

(1) انظر قصة ابن حذافة في"سير أعلام النبلاء"للذاهبي 2: 11 - 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت