الصفحة 31 من 36

أتباع الأنبياء من السابقين، اقتدوا بأنبيائهم في ثباتهم على الحق الذي هم عليه، وتحملهم كل ما يصيبهم نتيجة لهذا الثبات، ولو كان هذا إزهاق أرواحهم، ومغادرتهم هذه الدنيا شهداء.

نكتفي من اولئك السابقين بنموذج"أصحاب الأخدود"، وقصتهم معروفة لكل مسلم ثابت [1] . ونلتقط من قصتهم المشهد الأخير، عنما استشهد الغلام الداعية أمام الجماهير المحتشدة، وكان استشهاده سببًا في ايمان تلك الجماهير، التي أعجبت بثباته على ثوابته، فدخلت في دينه، وهتفت"آمنًا برب الغلام". ثم إن"الملك الكافر"هددهم وعذبهم، فلم ينل من ثباتهم، ولم يجد إلا الأخاديد يملأها نارًا، ويلقيهم فيها، فيسقطون شهداء ثابتين، والكل يوصي أخاه أو قريبه بالثبات على الحق ولو أدى الثبات إلى الموت. حتى الغلام الرضيع ينطقه الله فيوصي أمه بالثبات على الحق!!

ونسجل هذه اللقطة الأخيرة العظيمة من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى الامام مسلم في صحيحه عن صهيب الرومي - في نهاية حديث طويل - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"فقال الناس: آمنا برب الغلام: آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام".

فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد - والله - نزل بك حذرك. قد آمن الناس.

فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخذت، وأضرم النيران.

وقال: من لم يرجع عن دينه، فأحموه بها. أو قيل له: اقتحم. ففعلوا. حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها. فتقاعست أن تقع فيها. فقال لها الغلام: يا أمه. إصبري. فإنك على الحق!!" [2] ."

وما أجمل تعقيب الامام الصابر الممتحن الثابت الشهيد"سيد قطب"على قصة أصحاب الأخدود. وهو من آخر ما كتبه، وأثبته في فصل"هذا هو الطريق"من كتابه الرائد"معالم في الطريق"، وما أروع هذه العبارة التي علق فيها على ثبات أصحاب الأخدود:"لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم، في مقابل الهزيمة لايمانهم. ولكن: كم كانوا يخسرون هم أنفسهم؟ وكم كانت البشرية كلها ستخسر؟ كم كانوا يخسرون، وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح، بعد سيطرتهم على الأجساد."

إنه معنى كريم جدًا، ومعنى كبير جدًا، هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض، وهم يجدون مس النار، فتحترق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار!" [3] ."

ألست معي - أخي الثابت - في أن سيد قطب كان يقتدي بأصحاب الأخدود في ممماته، وكأنه بهذه الكلمات يتوقع نهايته، التي شابهت نهاية أصحاب الأخدود!

ثبات عبد الله بن حذافة أمام قيصر الروم:

ضرب صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمثلة عالية عظيمة في الثبات على الثوابت، ودعوا من بعدهم من المسلمين للاقتداء بهم في ثباتهم. نكتفي من مواقفهم بهذا النموذج العظيم الذي وقفه الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي أمام قيصر الروم.

كان عبد الله بن حذافة من القادة المسلمين الذين اشتركوا في فتح بلاد الشام. وقد أوكلت إليه مهمة محاربة أهل"قيسارية"- المدينة الفلسطينية الحصينة، على شاطىء البحر المتوسط - ولكن قدر الله أن يفشل عبد الله بن حذافة في إحدى المعارك، وأن يقع أسيرًا بيد الروم!

ووجدها"هرقل"فرصة مناسبة لإيذاء المسلمين والانتقام منهم. أحضر"عبد الله بن حذافة"أمامه، وأراد أن يفتنه عن دينه، ويبعده عن إسلامه.

(1) اقرأ - إن شئت - كلامنا عن دروس قصتهم في الكتاب الثالث من مجموعتنا"مع قصص السابقين في القرآن".

(2) صحيح مسلم. كتاب الزهد والرقائق رقم (53) . باب قصة أصحاب الأخدود رقم (17) حديث رقم (3005) .

(3) معالم في الطريق: 235 - 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت