الصفحة 16 من 36

إن الثبات على الثوابت يحتاج إلى همة ومجاهدة، وصبر ومصابرة. وإن هذا الثبات قد يجر على صاحبه الأذى، ويوقع به المصاعب، فلا بد للمسلم الثابت أن يوطّن نفسه على ذلك، وأن يعزم على أن يتحمل كل ما يصيبه في سبيل الله، وأن يستعلي على الأذى والمصاعب بإيمانه، وأن يستعين على ذلك بربه.

إن الايذاء والفتنة والابتلاء من سمات طريق الثابتين السائرين إلى الله، منذ أول تاريخ البشرية وحتى قيام الساعة. لم يسلم من ذلك نبي كريم من الأنبياء ولا مؤمن من أتباع الأنبياء، ولا مصلح سائر على طريق الأنبياء.

قال تعالى: (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [سورة العنكبوت: 1 - 3] .

وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [سورة البقرة: 214] .

ما من الأنبياء من نبي إلا أوذي وابتلي، فواجه ذلك بالصبر والدعوة والثبات: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [سورة الأنعام: 33 - 34] .

والمسلم المعاصر السالك في الطريق إلى الله، الملتزم بالثوابت بصبر وثبات، يقتدي في ذلك بالأنبياء، وبثبات أتباعهم المؤمنين. إنه يقتدي بالسحرة، الذين جاءوا إلى موسى عليه السلام، مرتزقة وجنودًا لفرعون، وأرادوا هزيمة موسى عليه السلام والتغلب عليه، فلما بان لهم الحق، وعرفوا أن موسى رسول الله، سجدوا لرب العالمين، وآمنوا بموسى وهارون - عليهما السلام - فتهدّدهم فرعون وتوعّدهم، وصب عليهم من أصناف التعذيب الكثير، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر وثبات، فتحملوا كل ما لاقوا في الطريق من أذى واضطهاد وفتنة ومصاعب، وتحدوا فرعون وسلطانه، واستعلوا على تهديده ووعيده.

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى، قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَن يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى، وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) [سورة طه: 70 - 76] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت