ونقف أخيرًا مع شاعر المحنة الدكتور يوسف القرضاوي، لنورد أبياتًا مختارة من ملحمته الطويلة، التي نظمها وهو سجين بين جدران"السجن الحربي"وضمنها الكثير من الحقائق والمعاني في الدلالات. وهي مشهورة باسم"النونية".
قال فيها:
ثار القريض بخاطري فدعوني ... أقضي لكم بفجائعي وشجوني ...
فالشعر دمعي حين يعصرني الأذى ... والشعر عودي يوم عزف لحوني
واليوم عاودني الملاك فهزني ... طربًا إلى الإنشاد والتلحين ...
ألهمتها عصماء تنبع من دمي ... ويمدها قلبي وماء عيوني ...
"نونية"والنون تحلو في فمي ... أبدًا، فكدت يقال لي"ذو النون"
قل للعوازل إن رميتم مصرنا ... بتخلف التصنيع والتعدين ...
مصر الحديثة قد علت وتقدمت ... في صنعة التعذيب والتقرين ...
وتفننت كيلا يمل معذب ... في العرض والاخراج والتلوين ...
أسمعت بالانسان ينفخ بطنه ... حتى يرى في هيئة"البالون"؟! ...
أسمعت بالانسان يضغط رأسه ... بالطوق، حتى ينتهي لجنون؟! ...
أسمعت بالانسان يشعل جسمه ... نارًا، وقد صبغوه"بالفزلين"!! ...
أسمعت ما يلقى البري، ويصطلي ... حتى يقول: أنا المسيء، خذوني ...
أسمعت بالآهات تخترق الدجى ... رباه عدلك إنهم قتلوني؟! ...
إن كنتم لم تسمع فسل عما جرى ... مثلي. ولا ينبيك مثل سجين!
أعرفت ما قاسيت في زنزانة ... كانت هي القبر الذي يؤويني؟! ...
لا بل ظلمت القبر فهو لذي التقى ... روض وتلك جحيم أهل الدين! ...
هي في الشتاء وبرده"ثلاجة"... هي في هجير الصيف مثل أتون! ...
نلقى ثمانية بها أو سبعة ... متداخلين كعلبة"السردين"! ...
هي منتدانا. وهي غرفة نومنا ... وهي"البوفيه"وحجرة الصالون ...
هي مسجد لصلاتنا ودعائنا ... في الكون ما أرجوه أو يرجوني
يا عصبة"الباستيل"دونكمو فلن ... آسى على الاغلاق والتأمين ...
سدوا علي الباب كي أخلو إلى ... كتبي، فلي في الكتب خير خدين ...
وخذوا الكتاب فإن أنسي مصحف ... أتلوه بالترتيل والتلحين ...
وخذوا المصاحف إن بين جوانحي ... قلبًا بنور يقينه يهديني ...
الله أسعدني بظل عقيدتي ... أفيستطيع الخلق أن يشقوني؟
يا أيها المغرور في سلطانه ... أمن النضار خلقت أم من طين؟ ...
يا من أسأت لكل من قد أحسنوا ... لك دائنين، فكنت شر مدين ...
يا ذئب غدر نصبوه راعيًا ... والذئب لم يك ساعة بأمين ...
يا من زرعت الشر لن تجني سوى ... شر وحقد في الصدور دفين ...
سيزول حكمك يا ظلوم كما انقضت ... دول أو لات عاكر وحصون ...
ستهب عاصفة تدك بناءه ... دكًا. . وركن الظلم غير ركين
أظننت دعوتنا تموت بضربة ... خابت ظنونك فهي شر ظنون ...
بليت سياطك والعزائم لم تزل ... منا كحد الصارم المسنون ...
إنا لعمري إن صمتنا برهة ... فالنار في البركان ذات كمون ...
تالله ما الدعوات يهزمها الأذى ... يومًا وفي التاريخ بريميني. ...
ضع في يدي القيد. ألهب أضلعي ... بالسوط، ضع عنقي على السكين ...
لن تستطيع بكل ما أوتيته ... إطفاء إيماني ونور يقيني ...
فالنور في قلبي، وقلبي في يدي ... ربي. . وربي ناصري ومعيني ...
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي ... وأموت مبتسمًا ليحيى ديني [1]
(1) انظر القصيدة في ديوان الدكتور يوسف القرضاوي"لفحات ونفحات"طبع دار الضياء - عمان.