الصفحة 14 من 36

9 -أنها ملازمة لهذا المسلم، لا يُتصوّر تخليه عنها، ولا تركه لها. إنها ألصق به من جلده، فإذا أمكنه الانسلاخ من جلده، والسير في الأرض"مسلوخًا"فليفكر عندها في انسلاخه عن ثوابته!! وصدق الله حيث يقول: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) [سورة الأعراف: 175 - 176] .

إن هذه الثوابت ألزم للمسلم من روحه التي بين جنبيه، لأنه بها إنسان حر كريم عزيز أبيّ.

10 -أنها أغلى عنده من كل شيء في الحياة، بل أغلى عنده من نفسه التي يحملها، وأهم عنده من أنفاسه ونبضات قلبه، ولذلك يقدمها على كل شيء ويضحي من أجلها بكل شيء، ولو كان هذا الشيء هو حياته وروحه، ولو كان هذا الشيء هو أنفاسه ونبضات قلبه، إنه يضحي من أجلها بماله وأهله وولده ومنافعه ومصالحه ودنياه، بل يضحي من أجلها بنفسه وروحه وحياته، ولا يفعل فِعلَ بعض"تجار المبادىء"و"أزلام المواقف"الذين يضحون بثوابتهم من أجل مصالحهم ومنافعهم!!

مساومات على الثوابت

ومن السمات الواضحة والمزايا البارزة لهذه الثوابت أنها لا تقبل المساومة، ولا تخضع للمداهنة، ولا تجري عليها المناورة، ولا تتأثر بسوق"العرض والطلب"ولا تؤثر فيها الظروف والأحوال.

ولكن أعداء الحق يحاولون مداهنة جنود الحق، ويساومونهم على ما عندهم من ثوابت وحقائق، ويدعونهم للتخلي عنها.

حاولوا هذا مع نبي الله إبراهيم - عليه السلام - ولكنه واجههم بالثبات على ثوابته: قال تعالى: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا) [سورة الأنعام: 80] .

وقد دل القرآن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على أسلوب الأعداء الدائم في المساومة على الثوابت والمداهنة عليها. قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [سورة القلم: 8 - 9] .

ومن أطرف مساومات قريش للرسول عليه الصلاة والسلام ما رواه ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن قريشًا دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، وقالوا: هذا لك يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء.

فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، ولك فيها صلاح. قال: وما هي؟ قالوا: نعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة! فأنزل الله سورة"الكافرون". ." [1] ."

ولقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يقطع أملهم فيه، وأن يبطل مساومتهم له على ثوابته، وأن يسمعهم سورة الكافرون: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [سورة الكافرون] .

(1) الدر المنثور للسيوطي 8: 654.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت