أما الخلاف فهو في قضيتين: الأولى: كيف تقع الفرقة بين الرجل والمرأة بعد اللعان؟ والأخرى: هل يمكن الاجتماع بينهما بعد الفرقة باللعان؟ فيقول الإمام الشافعي في القضية الأولى أنه إذا فرغ الرجل من اللعان، وقعت بينهما الفرقة سواء ألاعنت المرأة بعده أو لم تلاعن. ويقول مالك والليث بن سعد وزفر رحمهم الله: أن الفرقة لا تقع بلعان الرجل وحده وإنما تقع بعد ما يفرغ الرجل والمرأة كلاهما، من اللعان. ويقول أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله: أن الفرقة لا تقع بعد فراغهما من اللعان حتى يُفرّق بينهما الحاكم. فإن طلق الرجل بنفسه، وإلا فإن الحاكم يعلن الفرقة بينهما.
أما جوابًا عن القضية الثانية فيقول مالك وأبو يوسف وزفر وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والشافعي وأحمد بن حنبل والحسن بن زياد رحمهم الله: أن الزوجين إذا وقعت بينهما الفرقة باللعان، يحرم أحدهما على الآخر ولا يجتمعان بالنكاح أبدًا ولو أرادا. وهذا ما يراه أيضًا عمر وعلي وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم، وعلى العكس من ذلك يقول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والشعبي وسعيد بن جبير وأبو حنيفة ومحمد رحمهم الله: أن الزوج إن اعترف بكذبه وأُقيم عليه حد القذف، فلهما أن يجتمعا بالنكاح إن شاءا، فإنه ما كان الموجب للفرقة بينهما إلا اللعان، فهو ما دام قائمًا بينهما تقوم بينهما الحرمة، وإذا زال باعتراف الزوج بكذبه ولقائه حدّه، تزول من بينهما الحرمة.
(إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ [1] عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ، لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - 11،18) .
هذه الآيات التي بها شرع الله تعالى في ذكر القصة التي كانت السبب في نزول هذه السورة وقد نقلنا أول هذه القصة من رواية السيدة عائشة رضي الله عنها في المقدمة وها نحن أولاء نذكر ما بقي منها حسب ما نقلتها مختلف الروايات الثابتة عن لسان عائشة رضي الله عنها نفسها:
قالت: وبكيت يومي ذلك ولا يقرأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذا استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها. وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد حين جلس، ثم قال:"أما بعد، فإنه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألْمَمْتِ بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله تعالى عليه". فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص [2] دمعي حتى ما أُحس منه بقطرة. فقلت لأبي"أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما قال". قال:"والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم"فقلت لأمي:"أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قالت:"والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم". وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن. فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثًا تحدث الناس به، وإستقر في نفوسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة، لتُصدّقنّني. فوالله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف [3] إذ قال:"فصبر جميل،"
(1) إشارة إلى ما رُميت به عائشة الصديقة رضي الله عنها، وتعبير القرآن عنه بكلمة الإفك تنديد له من الله تعالى نفسه، فإن معنى الإفك قلب الكلام وصرفه إلى غير حقيقته، ولهذا الاعتبار يستعمل بمعنى الكتب والافتراء الصريح. فإذا قيل لتهمة فمعناها البهتان والفرية.
(2) قلص دمعي: إحتبس.
(3) تعني يعقوب النبي عليه السلام.