والله المستعان على ما تصفون". ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مُبَرِّئي ببراءتي. ولكن والله ما كنت أظن أن يُنزل الله تعالى في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها. فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذ من البرحاء فسُرّي عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة أحمدي الله تعالى فإنه قد برَّأك. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي. فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ .. ) إلى الآية 21."
ونكتة لطيفة يحسن بنا أن نذكرها بهذه المناسبة، هي أن الله تعالى بما أنزل من أحكام الزنا والقذف واللعان في عشر الآيات الأولية من هذه السورة قبل تنزيله براءة عائشة رضي الله عنها، إنما نبّه المسلمين في حقيقة الأمر على أن ليست رمية أحدبالزنا بأمر هين يتلاعب به الناس يتناقلونه في مجالسهم ومحافلهم، بل هو قول في غاية من الثقل يحمل صاحبه تبعة كبرى، فإن كان الرامي صادقًا في رميته، فليأت بالشهداء ليلقى الزاني والزانية أشد العقاب، وإن كان كاذبًا، فهو جدير بأن ضرب ظهره ثمانين جلدة لا يعود لمثل هذه الرمية في المستقبل. أما إذا كانت هذه الرمية من الزوج لزوجته، فعليه أن يلاعنها في المحكمة. وهذا الأمر لا يمكن أن يتفوه به أحد ثم يجلس في بيته وادعًا مستريحًا لأن المجتمع مجتمع المسلمين، ما أُخرج إلا لإقامة الحق ودعم الخير في الدنيا، لا يمكن أن يكون فيه الزنا أداة للعب واللهو ولا أن تكون أخباره موضوعًا لتحادث الناس وترويحهم عن أنفسهم.
قد وردت في الروايات أسماء الذين كانوا يتناقلون حديث الإفك في المجتمع وهم عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة -والغالب أنه ابن رفاعة ابن زيد من اليهود المنافقين- ومِسْطح ابن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. فكان عبد الله بن أبيّ وزيد بن رفاعة من المنافقين ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش من المؤمنين ولكن انخدعوا لمكائد الأولين وخاضوا في حديث الإفك على