فتلك هي الظروف التي نزل فيها القرآن من الآية 27 إلى آخر سورة الأحزاب عند الغارة الأولى ونزلت سورة النور كلها عند الغارة الثانية. فإذا درسناهاتين السورتين حسب ترتيبهما في النزول مع الوقوف على الظروف التي بيناها آنفًا، ظهر لنا ما قد روعي في أحكام هاتين السورتين من الحكمة:
لقد كان المنافقون يريدون أن يهزموا المسلمين في ميدان الأخلاق الذي كان ميدانًا حقيقيًا لتفوقهم وتقدمهم. والله تعالى بدل أن يؤنبهم على أعمالهم الرذيلة وحملاتهم الشنيعة على أخلاق المسلمين أو يحرض المسلمين على رد حملاتهم، وجه اهتمامه إلى دعوة المسلمين إلى حد ما في جبهتهم الخلقية من الثغر ومواضع الخلل وإحكامها وتوثيقها. وقد رأيت آنفًا أي فتنة عظيمة أثارها المنافقون والكفار عند نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها. فإذا نظرت الآن نظرة في سورة الأحزاب علمت أن زمان طغيان الفتنة هذا هو الذي زوّد فيه المسلمون بالتعليمات الآتية في إصلاحهم الاجتماعي:
1 -أُمرت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يلزمن بيوتهن ولا يخرجن منها بغير حاجة ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى [1] وإذا احتجن الكلام مع غير المحارم من الرجال فلا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ويقلن قولًا معروفًا (الآيتان 32،33) .
2 -منع الرجال أن يدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يؤذن لهم، وإذا أرادوا أن يسألوا أزواجه المطهرات شيئًا، فليسألوهن من وراء حجاب (الآية: 53) .
3 -أقيم الفرق بين المحارم وغير المحارم من الرجال وقُصر الإذن في دخول بيوتهن على المحارم منهم فقط.
(1) التبرج أن تتكلف المرأة إظهار ما عليها من الزينة، كما ستعرف ذلك في تفسير الآية 60 من هذه السورة.