رجلًا صالحًا-فقال: كذبت، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا [1] ، فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيتين من الأوس والخزرج شر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي"."
وسنذكر بقية التفاصيل من قصة الإفك في أثناء التفسير عندما نمر بالآيات التي نزلت فيها براءة عائشة رضي الله عنها. وإنما الذي نريد بيانه في هذه المقدمة أن عبد الله بن أبي بن سلول أراد بالإفك على عائشة أن يرمي عدة أهداف بحجر واحد: ففي جانب طعن أشد ما يمكن من الطعن في عرض النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي الجانب الآخر أراد أن يضع من المكانة الخلقية للحركة الإسلامية، وفي الجانب الثالث أشعل في داخل المجتمع الإسلامي جذوة من نار الفتنة جعلت الحيّيْن من الخزرج والأوس يحتكان بينهما شر احتكاك لو لم يكن الإسلام قد بدل من طبائع أتباعه وخصالهم.
(1) وسعد بن عبادة رضي الله عنه وإن كان من المؤمنين المخلصين يحب النبي صلى الله عليه وسلم حبًا شديدًا ومن أبرز الذين انتشر بهم الإسلام في المدينة، ولكن على كل هذه المحاسن، كانت فيه حمية شديدة لقومه (وكان معنى القوم في العرب إذ ذاك القبيلة كما لا يخفى) . فلأجل ذلك كان ما كان منه من المدافعة عن عبد الله بن أبي لأنه كان من قومه الخزرج. ولأجل هذه الحمية قال يوم فتح مكة (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة) . فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أرسل إليه فنزع اللواء من يده وجعله بيد ابنه قيس بن سعد رضي الله عنه. ولأجل هذه الحمية ادعى في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أن الخلافة للأنصار ولكن لما أبى المهاجرون والأنصار إلا بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، تخلف عنها سعد وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام. (الإصابة لابن حجر، والاستيعاب لابن عبد البر، والإمامة والسياسة لابن قتيبة) .