الصفحة 16 من 150

وبعد أن حققنا أن سورة النور نزلت بعد سورة الأحزاب بأشهر في النصف الآخر من سنة ست، علينا أن ننظر نظرة في الظروف التي نزلت فيها هذه السورة.

إن التقدم الذي أخذت الحركة الإسلامية تحققه في بلاد العرب بعد انتصارها في غزوة بدر، بلغ من قوته واستحكامه حتى غزوة الخندق حيث بدأ المشركون واليهود والمنافقون والمتربصون يحسبون لها ألف حساب، ويشعرون بأن هذه القوة الفتية لا يمكن أن تُهزم بمجرد الأسلحة والجنود، فقد كانوا أغاروا على المدينة متحدين بعشرة آلاف من رجالهم في غزوة الخندق، ولكن لقوا فيها هزيمة منكرة فرجعوا إلى مكة خائبين خاسرين بعد شهر، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه"لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم" (سيرة ابن هشام: ج 3 ص 266) .وكأن ذلك إعلان منه صلى الله عليه وسلم أن القوى المعادية للإسلام قد خارت عن البدء بالإقدام على الحرب، وأن الإسلام لن يحارب بعده حرب الدفاع ولكنه سيحارب حرب الإقدام. وقد كان ذلك تحليلًا صحيحًا جدًا للظروف وكان يشعر بها العدو نفسه.

ولم يكن السبب في مثل هذه الظروف لانتصار المسلمين وتقدمهم يومًا فيومًا كثرتهم في العدد لأن المشركين كانوا أقبلوا عليهم في كل حرب -من بدر إلى الخندق- وعددهم أضعاف عدد المسلمين، بل لم يكن عدد المسلمين إذ ذاك حسب الإحصاء إلا 10/ 1% في العرب كلها. وكذلك لم يكن السبب لهذا التقدم والانتصار تفوّق المسلمين في السلاح لأن الكفار كانت كفّتهم هي الراجحة في جميع أنواع العدة والعتاد. وكذلك ما كان المسلمون ليزاحموا الكفار باعتبار قوتهم الاقتصادية والمالية وتغلغل الغلبة والنفوذ، لأن وسائل العرب الاقتصادية كلها كانت بأيدي الكفار وكان المسلمون في بلاء عظيم من الفقر والجوع، وكان وراء الكفار جميع قبائل العرب من المشركين وأهل الكتاب، وكان المسلمون قد فقدوا التأييد من جميع المحامين عن النظام القديم وانقطعوا عنهم لقيامهم بالدعوة إلى دين جديد يسفه أحلامهم ويكذب آلهتهم ويشتم آباءهم بزعمهم. فالشيء الوحيد الذي كان يقوي ساعد المسلمين ويقطع بهم أشواط الرقي والتقدم إنما هو تفوقهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت