الصفحة 15 من 150

ويقول ابن إسحاق في الجانب الآخر: إن غزوة الأحزاب وقعت في شوال من سنة خمس وغزوة بني المصطلق في شعبان من سنة ست. ويؤيد ابن إسحاق في هذا البيان ما ورد عن عائشة وغيرها من الروايات المعتد بها وهي أكثر قوة وكثرة. فما تفيد هذه الروايات أن أحكام الحجاب كانت قد نزلت قبل قصة الإفك أي في سورة الأحزاب، ومما تفيد هذه الروايات كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تزوج بزينت بنت جحش رضي الله عنها قبل ذلك، في ذي القعدة من سنة خمس، وجاء ذكره في سورة الأحزاب، بل مما تفيد هذه الروايات كذلك أن حمنة أخت زينب بنت جحش إنما شاركت في رمي عائشة لأنها ضرة أختها والظاهر أنه لا بد من أن تمضي مدة من الزمن -ولو يسيرة- على صلة الضرارة بين امرأتين حتى تنشأ في القلوب مثل هذه النزاعات. فهذه الأمور كلها مما يؤيد رواية ابن إسحاق ويقويها.

وما هناك شيء يمنعنا قبول رواية ابن إسحاق، إلا مجيء ذكر سعد بن معاذ في زمن الإفك، إلا أن هذه المشكلة تزول بأن الروايات المروية عن عائشة جاء في بعضها ذكر سعد بن معاذ وفي بعضها الآخر ذكر أسيد بن حضير مكان سعد بن معاذ، والرواية الأخيرة تتفق تمام الاتفاق مع الحوادث المروية عن عائشة في شأن قصة الإفك، وإلا فلو سلمنا بكون غزوة بني المصطلق وقصة الإفك وقعتا قبل غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة لمجرد أن نجعلهما تتفقان مع حياة سعد بن معاذ في زمن الإفك، لاستحال علينا أن نجد حلًا لمشكلة عظيمة أخرى هي أنه من اللازم إذن أن تكون آية الحجاب ونكاح زينب قد وقعتا قبل غزوة بني المصطلق وقصة الإفك، مع أن القرآن والروايات الصحيحة المتضافرة تشهد بأن نكاح زينب والآية التي فيها حكم الحجابمن الحوادث الواقعة بعد غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة. فبناء على كل ذلك قد جزم ابن حزم وابن القيم وغيرهما من العلماء المحققين بصحة رواية ابن اسحاق ورجحانها على رواية ابن سعد، وهو الرأي الذي نراه ونذهب إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت