المعنوي الذي كان جميع أعدائهم أنفسهم يشعرون به تمام الشعور: ينظرون في جانب إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أطهر من السحاب في السماء وتسحر قلوبهم هذه الطهارة والسمو الخلقي، وينظرون في الجانب الآخر طهارة الأخلاق الفردية والجماعية قد أنشأت في المسلمين من الوحدة والنظام الداخلي ما لا يكاد يخطر بالقلب أكثر منه، حيث كان نظام جماعة المشركين واليهود المتراخي يلقي أمامه الهزيمة تلو الهزيمة في السلم والحرب.
ومن طبيعة اللئام أنهم إذا رأوا محاسن غيرهم ومساوئ أنفسهم واضحة وعلموا أن محاسنه هي السرّ في تقدمه ورقيه، وأن مساوئهم ومواضع الضعف والانحلال فيهم هي التي تضع من شأنهم وتخسرهم المعركة، يأخذهم الهم بأن يخلقوا فيه -بأي حيلة من الحيل- ما في أنفسهم من المساوئ ومواضع الضعف والفوضى، أو يرموه بما ليس فيه ويدنسوا ذيله ويشوهوا سمعته حتى لا ترى الدنيا محاسنه بدون عيب على الأقل. فهذه العقلية الدنيئة هي التي حولت مساعي الكفار وأعداء الإسلام في هذه المرحلة من الأعمال الحربية الظاهرة إلى الحملات الرذيلة وإحداث الفتن في داخل نظام المسلمين ومجتمعهم خفية. ولما كان القيام بهذه"الخدمة"أسهل للمنافقين في داخل المسلمين من الكفار الصرحاء في الخارج، قرروا لها الطريق ورسموا لها الخطة -قصدًا أو بغير قصد- بأن يحدث المنافقين في المدينة الفتن من الداخل ويحاول اليهود والمشركون استغلالها وجني ثمارها من الخارج.
وهذه الخطة المحيكة ظهرت لأول مرة في ذي القعدة من سنة خمس عندما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش مطلقة متبناه زيد بن حارثة. فعند ذلك قام المنافقون في المدينة بفتنة عظيمة وأثاروا الضجة حول قصة هذا الزواج، وأيدهم وقوّى ساعدهم من الخارج اليهود والمشركون وجاؤوا بالأكاذيب والافتراءات على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وقالوا:"هذا محمد وقع في غرام زوجة متبناه لما نظر إليها فجاءة، ولما أن اطلع متبناه على هذا الغرام الذي وقع في قلبه لزوجته تركها له بتطليقها، فهو هكذا قد تزوج حليلة ابنه". وقد بدأوا في نشر هذه الدعاية وأعادوا حتى لم يسلم من الافتتان بها كثير من المسلمين أنفسهم. ومن ثم فإن كثيرًا من الروايات التي ساقها المحدثون والمفسرون عن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها، لا تزال توجد من فيها أجزاء من هذه