يدل على أنهم أنفسهم لا يجعلون أيمان اللعان بمنزلة الشهادة؛ بل القرآن نفسه لا يجعل هذه الأيمان بمنزلة الشهادة على تعبيره عنها بكلمة الشهادة، لأنه لو جعلها بمنزلة الشهادة، لأمر المرأة بثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل.
5 -إن اللعان لا يجب بمجرد الكناية أو إظهار الشبهة، وإنما يجب بأن يرمي الزوج زوجته بالزنا صراحة أو ينكر أن ولدها منه بألفاظ واضحة. وقد زاد مالك والليث بن سعد رحمهما الله أن الزوج عليه أن يصرح عند اللعان بأنه قد رأى زوجته تزني، ولكن لا أصل لهذه الزيادة في القرآن ولا في السنة.
6 -إذا اتهم الرجل امرأته بالزنا ثم نكل عن اللعان، يحبس عند أبي حنيفة وأصحابه حتى لا يلاعن أو يعترف بكذبه، ويلزمه حد القذف إذا اعترف بكذبه. وعلى العكس من ذلك يرى مالك والشافعي والليث بن سعد رحمهم الله أنه إذا نكل عن اللعان، وجب عليه حد القذف لأن نكوله عن اللعان اعتراف منه بكذبه.
6 -وإذا نكلت المرأة عن اللعان بعد لعان الرجل، تحبس عن الحنفية حتى تلاعن أو تعترف بزناها. وعلى العكس من ذلك يرى الأئمة المذكورون أنها ترجم. وحجتهم في هذا بأن القرآن يقول (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) فهي إذ لا تشهد، يجب عليها (الْعَذَابَ) . إلا أن حجتهم هذه فيها الضعف من جهة أن القرآن لا يعين في هذه الآية نوع (الْعَذَابَ) وإنما يذكر (الْعَذَابَ) مطلقًا. فإن قيل إنه لا يمكن أن يكون المراد بالعذاب في هذه الآية إلا حد الزنا، فالجواب عنه أن القرآن قد شرط بأربعة شهداء لوجوب حد الزنا، ولا تكاد الأيمان الأربعة -اللعان- من رجل واحد تقوم مقام هذا الشرط. نعم إن لعان الرجل يكفي في إنقاذه من حد القذف وترتيب أحكام اللعان على المرأة ولكنها لا تكفي على كل حال في قيام البينة على زنا المرأة. لا شك أن نكول المرأة عن اللعان بعد لعان الرجل، يخلق شبهة -وأي شبهة- في تحقق زناها، ولكن من المعلوم أن الشبهات لا توجب الحدود. وينبغي أن لا يقاس أمر المرأة في هذه القضية على وجوب حد القذف على الرجل إذا نكل عن اللعان بعد قذفه، لأن قذفه ثابت على كل حال