الصفحة 83 من 150

آية القذف أن يكون القاذف قد رمى بالزنا المحصنات أي العفائف، ولكن ما جاء ذكر لهذا الشرط في آية اللعان. فإن كانت هناك امرأة اقترفت الفاحشة في سالف أيامها ولكن تابت بعدها وتزوجت ثم رماها زوجها بالزنا أو أنكر ولدها، لا يصح بموجب آية اللعان أن يؤذن لزوجها إذنًا مشاعًا في قذفها وإنكار أولادها على أساس أنها كانت اقترفت الزنا في أيامها السالفة. والوجه الثاني: وهو لا يقل وزنًا عن الوجه الأول-: إن هناك فرقًا عظيمًا بين قذف الزوجة وقذف الأجنبية فلا يصح أن تكون طبيعة القانون في شأنهما واحدة. إن الرجل لا علاقة له بالأجنبية من جهة العواطف ولا العرض ولا المعيشة ولا الحقوق ولا النسب، وأكبر ما يكون له من الشغف بأمرها في الحدود المشروعة، أن يتحمس لتطهير المجتمع من الفواحش. وأما الزوجة -على العكس من ذلك- فعلاقته بها قوية جدًا من عدة أسباب. أنها أمينة على نسبه وماله وبيته، وشريكته في الحياة ومحافظة على أسراره وبها يتصل أقوى ما يكون من عواطفه العميقة المرهفة، فهي إن جاءت بالفاحشة، مست مسًا شديدًا بعرضه وشرفه وكرامته ومصالحه ونسب أولاده. فمن أي جهة يمكن أن يكون أمرها كأمر الأجنبية في نظر الرجل، حتى لا تكون طبيعة القانون في أمرها مختلفة عن طبيعته في أمر الأجنبية؟ وهل ترون ذميًا أو رقيقًا أو محدودًا يقل أو يختلف عن أي رجل مسلم حر مقبول الشهادة اهتمامًا بأمر زوجته؟ فما لنا إذن لا نعطيه حق اللعان إذا ما شاهد زوجته تقترف الفاحشة بعينيه، أو استيقن أن زوجته حامل من غيره؟ وأي حيلة تبقى للمسكين إذا سلبناه هذا الحق في قانوننا؟ إن ما نعرفه واضحًا من ظاهر ألفاظ آية اللعان أن الله تعالى يريد أن يجعل للزوجين مخرجًا من المشكلة التي يقع فيها الزوج بفاحشة زوجته أو حملها اليقيني من غيره، أو تقع فيها الزوجة بقذف زوجها لها أو إنكاره لأولادها بغير حق. وليست هذه الحاجة بمخصوصة للمسلمين الأحرار مقبولي الشهادة فحسب، وليست في ألفاظ القرآن صراحة أو إشارة تقصرها عليهم وحدهم. أما الحجة بأن القرآن جعل أيمان اللعان بمنزلة الشهادة فيجب أن تنطبق عليها شروط الشهادة نفسها، فالجواب عنها -إن سلّمنا بها- أن مقتضاها لا يقف عند هذا الحد فحسب، بل من عين مقتضاها كذلك أن ترجم المرأة إذا ما نكلت عن اللعان ولا عن زوجها العدل مقبول الشهادة لأن البيئة التي قامت على زناها، ولكن العجيب أن الحنفية لا يحكمون عليها بالرجم في هذه الصورة. فذلك مما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت