تعجبت أني لو وجدت لُكاعًا [1] قد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أُهيجه ولا أُحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته: ثم ما لبثوا إلا يسيرًا حتى وقعت في المدينة حوادث رأى فيها بعض الناس مثل هذا الأمر مع نسائهم ورفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن رجلًا من الأنصار -وهو عويمر العجلاني على الأغلب- جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال"يا رسول الله إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا إن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أحكم" [2] وعن ابن عباس أن هلال بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال"يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلًا فرأيت بعيني وسمعت بأذني"فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه وقال"البينة وإلا حد في ظهرك"فاجتمعت عليه الأنصار وقالوا قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة. الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس. فقال هلال"والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا"وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم"فإني أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق"فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فنزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ .. ) الخ [3] .
والطريق المذكور في هذه الآية للفصل بين الرجل وامرأته يحكم عليه"باللعان"في القانون الإسلامي. فالقضايا التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذا الحكم، وردت مفصلة في مختلف كتب الحديث، وهي المصدر لقانون اللعان مع تفاصيله، فإليك بعضها في ما يلي:
أما تفاصيل قضية هلال بن أمية -حسب ما رواه أصحاب الصحاح الستة والإمام أحمد في مسنده وابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهما- فقد جاء فيها أن هلال بن أمية وزوجته أرسل إليهما بعد نزول هذه الآية فتلاها عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرهما وأخبرهما"أن عذاب اللآخرة أشد من عذاب الدنيا"فقال هلال"والله يا رسول الله لقد صدقت عليها"فقالت"كذب"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لاعنوا بينهما"فقيل لهلال إشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له:"يا هلال إتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب"وأيضًا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارًا:"إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال هلال:"والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها"فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل للمرأة إشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليه العذاب"فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت:"والله لا أفضح قومي"فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى أن لا يُدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها.
ثم قال للناس"إن جاءت به أصيهب [4] أريشح [5] حمش الساقين [6] فهو لهلال وإن جاءت به أورق [7] جعدًا [8] حماليًا [9] خدلج الساقين [10] سابغ الإليتين [11] فهو"
(1) امرأة خبيثة.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي.
(3) رواه البخاري وأحمد وأبو داود.
(4) أصيهب تصغير أصهب وهو الذي في شعره حمرة.
(5) أريشح تصغير أرشح وهو خليف لحم الاليتين.
(6) حمش الساقين: دقيقهما.
(7) أورق: أسمر.
(8) جعدًا: شديد الأسر والخلق والذي شعره غير سبط وهما مدح. والقصير للمتردد الخلق والبخيل.
(9) الحمالي: الضخم الأعضاء التام الأوصال.
(10) خدلج الساقين: عظيمهما.
(11) سابغ الإليتين: تامها وعظيمها.