وجود القذر في تلك الناحية- بأحد الطريقين: إما أن يتركه في مكانه ولا يتعرض له بشيء أو يقدم الشهادة في المحكمة على وجوده حتى يزيله حكام الدولة الإسلامية. وليس له طريق ثالث غير هذين الطريقين البتة. فهو -بهذا الوجه- إذا نقل خبره إلى الناس، ارتكب جريمة إشاعة القذر المحدود على نطاق واسع، وإذا رفعه إلى الحكام بدون شهادة كافية يطمئنون إليها، كان من نتيجته أن يشيع القذر في المجتمع كله ويتشجع فيد ذوو الغرائز المنحطة. فمرتكب القذف بدون شهادة الشهود، فاسق ولو كان صادقًا في ذات نفسه.
12 -ورأي الفقهاء الحنفية في حد القذف أن يكون ضرب القاذف أخف من ضرب الزاني، لأن الجريمة التي يعاقب فيها، ليس كذبه فيها بمتيقن على كل حال.
13 -ورأي الحنفية وجمهور الفقهاء في تكرار القذف، أن من قذف غيره، إتحد المقذوف أم تعدد، عدة مرات قبل أن يقام عليه الحد أو في أثناء إقامته، ولو بقي سوط واحد، لا يقام عليه إلا حد واحد، وأنه يكفي له هذا الحد نفسه ولو تمم الحد ثم قذف بعده يكرر قذفه السابق، ولكن إذا جاء بعده يرميه بزنا آخر، أُقيمت عليه الدعوى مرة أخرى. ووجه الاستدلال في هذه القضية أن أبا بكرة بعدما لقي حده في قضية المغيرة بن شعبة بقي يقول علنًا بين الناس إني أشهد أن المغيرة أصاب الزنا، فأراد عمر أن يقيم عليه الحد مرة أخرى، ولكنه لما كان لا يكرر إلا تهمته السابقة، وأشار عليه علي بأن لا يقيم عليه الحد مرة أخرى، لأن الرجل لا يُحدّ في قضية مرتين، فوافقه عمر على ذلك. وكأن الفقهاء قد وقع بينهم الاتفاق بعد ذلك على أن من لقي حده مرة في القذف، لا يؤاخذ إلا إذا جاء بتهمة جديدة أخرى.
14 -والفقهاء بينهم خلاف حول قذف الجماعة. فرأي الحنفية أن من قذف عدة أفراد بلفظ أو بألفاظ متفرقة، لا يلقى إلا حدًا واحدًا، اللهم إلا أن يأتي بقذف جديد بعد حده، لأن الذي يقتضيه ظاهر الألفاظ في آية (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أن قاذف الجماعة مثل قاذف الواحدة فلا يلقى إلا حدًا واحدًا، لأنه ما من تهمة بالزنا إلا وهي تتناول عرض شخصين -رجل وامرأة-