الصفحة 76 من 150

تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) بعد هذا الحكم الثالث مقترنًا به، فهو يدل بنفسه على أن هذا الاستثناء إنما يرجع إلى الجملة الخبرية الأخيرة ولا يرجع إلى جملتي الأمر الأوليين غير أننا إذا قلنا بأن هذا الاستثناء غير محدود إلى الجملة الأخيرة فقط، فإننا لا نفهم البتة أنه كيف يقف عند جملة (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) ولا يتجاوزها إلى جملة (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ؟

10 -وقد يتساءل في هذا المقام"ما لنا لا نُسلّم برجوع الاستثناء في قوله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا) إلى الحكم الأول أيضًا، لأن القذف إن هو إلا نوع من الإهانة، فإذا اعترف الرجل بعده بخطئه واستعفى المقذوف وتاب من العودة إليه في المستقبل، فما لنا لا نتركه على حين أن الله تعالى يقول بعد بيان هذا الحكم (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ... ) أفليس من الغريب أن يحكم الله بتركه والعفو عنه ولا يتركه العباد؟"

فالجواب عن ذلك أنه ليست التوبة هي عبارة عن تلفظ الإنسان بأحرف التاء والواو والباء والهاء باللسان، بل هي عبارة عن شعوره بالندامة واعتزامه على إصلاح نفسه ورجوعه إلى الخير، وكل ذلك مما لا يعلم حقيقته إلا الله، ولأجل هذا فإنه لا تغتفر بالتوبة العقوبات الدنيوية وإنما تُغتفر بها العقوبة الأخروية فحسب، ومن ثمة فإن الله تعالى لم يقل"إلا الذين تابوا وأصلحوا فاتركوهم أو خلوا سبيلهم أو لا تعذبوهم"بل قال"إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ". إنه لو كانت العقوبات الدنيوية أيضًا تغتفر بالتوبة فمن ذا ترونه من الجناة لا يتوب إتقاء لعقوبته؟

11 -وقد يقال كذلك في هذا المقام أن الإنسان إذا عجز عن أن يأتي بأربعة شهداء لإثبات اتهامه، فليس معناه أنه كاذب، لأنه من الممكن أن يكون صادقًا في اتهامه في واقع الأمر ولكن عجز عن إثباته بالشهداء، فلأي سبب يُحكم عليه بالفسق لا عند الناس فقط، بل وعند الله تعالى أيضًا لمجرد عدم ثبوت اتهامه؟

فالجواب أن من شاهد بعينيه رجلًا يزني، فهو مخطء إذا أشاع خبره في المجتمع أو رفع أمره إلى المحكمة بدون بينة، لأن الشريعة لا تريد إذا كان جالسًا بالقذر في ناحية، أن يحمله غيره من وينثره في المجتمع كله؛ بل على هذا الغير -إذا وقع على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت