الصفحة 75 من 150

القذف، إذا تاب وحسنت حاله، تقبل شهادته ولا يبقى فاسقًا. ومما استدل به هؤلاء أن جاء في بعض الروايات أن عمر ضرب أبا بكرة وصاحبيه حدّهم في قضية المغيرة بن شعبة -المذكورة من قبل- وقال لهم"من أكذب منكم نفسه أجرت شهادته في ما استقبل -أي من تاب منكم قبلت شهادته في المستقبل- ومن لم يفعل لم أجز شهادته"، فأكذب صاحبا أبي بكر وأبى هو أن يفعل. وهذا دليل قوي يؤيد هذا الرأي في ظاهر الأمر، ولكن الحقيقة أن الاستدلال بقضية المغيرة بن شعبة في هذا الحكم غير صحيح على ما ذكرنا من تفاصيلها من قبل؛ لأنه ما كان الخلاف فيها حول وقوع الفعل (الوطء) ولا كان المغيرة بن شعبة نفسه أنكره، وإنما كان الخلاف فيها حول تعيين المرأة، فكانالمغيرة يقول إنها كانت زوجته وهي التي اشتبهت على هؤلاء وظنوها أم جميل. وكان قد ثبت في ذات الوقت أن زوجة المغيرة كانت شبيهة بأم جميل إلى حد أن لم يكن من العجيب أن يظنها أبو بكرة وأصحابه أم جميل لما رأوها من البعد وفي الضوء القليل، إلا أن القرائن كلها كانت مؤيدة لبيان المغيرة وكان قد أقر أحد أصحاب أبي بكرة بأنه ما رأى المرأة رؤية واضحة. فبناء على ذلك قضى عمر للمغيرة وقال لأبي بكرة وأصحابه بعد إقامة الحد عليهم"من أكذب منكم نفسه أجزت شهادته"على ما مر آنفًا، فمن الواضح إذا نظرنا في تفاصيل هذه القضية أن عمر إنما أراد منهم في الحقيقة أن يعترفوا بأنهم ظنوا بالمغيرة سوءًا ويرتدعوا عن رمي الناس بالجرائم بناء على مثل هذه الظنون السيئة الواهية، وإلا فإنه لا يقبل شهادتهم في المستقبل أبدًا. فلا يصح على ذلك أن الكاذب الصريح كانت شهادته مقبولة عند عمر إن تاب. فرأي الطائفة الأولى هو الأرجح عندي في هذه القضية، فإن حقيقة توبة المرء لا يعلمها إلا الله؛ ومن تاب عندنا، فإن غاية مالنا أن نجامله به هو أن لا نسميه الفاسق ولا نذكره بالفسق، وليس من الصحيح أن نبالغ في مجاملته حتى نعود إلى الثقة بقوله لمجرد أنه قد تاب في ظاهر الأمر. ورد على ذلك أن أسلوب عبارة القرآن بنفسه يدل دلالة واضحة على أن العفو المذكور في جملة (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) إنما يرجع إلى جملة (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) لأن جلد القاذف ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته جاء ذكرهما في العبارة بصيغة الأمر (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) وجاء ذكر الحكم عليه بالفسق بصيغة الخبر (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فإن قد جاء قوله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت