له شهادة أبدًا، والثالث أنه فاسق. ويقول القرآن بعده (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) . ولسائل أن يسأل في هذا المقام أن العفو بالتوبة والإصلاح، الذي ذكره القرآن في هذه الجملة، إلى أي حكم يرجع من هذه الأحكام الثلاثة؟ فقد أجمع الفقهاء أنه لا يرجع إلى الحكم الأول، أي أن الحد لا يسقط عن القاذف بتوبته وأنه لا بد له من احلد، وكذلك قد أجمعوا على أن هذا العفو يرجع إلى الحكم الثالث أي أن القاذف إن تاب وأصلح، فإنه لا يعود فاسقًا وسيغفره الله تعالى، غير أن الذي فيه الخلاف في هذا الشأن، هو"هل القاذف يفشق بفعل القذف ذاته أو إنما يفسق بعد ما تحكم عليه المحكمة بالحد"، فهو يفسق بفعل القذف ذاته عند الشافعي والليث بن سعد رحمهما الله أي أنه يصير مردود الشهادة عندهما بمجرد ارتكابه القذف بدون بينة، وعلى العكس من ذلك يقول أبو حنيفة وأصحابه ومالك رحمهم الله أنه لا يفسق إلا بعدما يقام عليه الحد، فهو مقبول الشهادة عندهم قبل أن يقام عليه الحد. والصحيح عندي في هذا الشأن أن كون القاذف فاسقًا عند الله نتيجة لفعل القذف نفسه، وأما كونه فاسقًا عند الناس فمتوقف على أن تثبت جريمته في المحكمة ويقام عليه الحد.
أما الحكم المتوسط أي (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) ، فهناك خلاف شديد بين الفقهاء حول: هل إليه أيضًا يرجع العفو المذكور في جملة (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) أم لا؟ فتقول طائفة، منهم القاضي شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن سيرين ومكحول وعبد الرحمن بن زيد وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد وسفيان الثوري والحسن بن صالح رحمهم الله، فإنه لا يرجع إلا إلى الحكم الثالث فقط، أي أن من تاب وأصلح، لا يبقى فاسقًا عند الله ولا عند الناس، مع بقاء الحكمين الأولين قائمين في شأنه أي إقامة الحد عليه وكونه مردود الشهادة إلى الأبد. وتقول طائفة أخرى، منهم عطاء وطاووس ومجاهد والشعبي والقاسم بن محمد وسالم الزهري وعكرمة وعمر بن عبد العزيز وابن أبي نجيح وسليمان بن يسار ومسروق وضحاك ومالك بن أنس وعثمان البتي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وابن جرير الطبري رحمهم الله، أن جملة (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) لا يرجع العفو المذكور فيها إلى الحكم الأول أي إقامة الحد ولكنه يرجع إلى الحكمين الأخيرين أي أن من أقيم عليه حد