الصفحة 73 من 150

الزوجة، لأن من قُذفت زوجته، إشتبه نسب ذريته جمعاء. على أن القول بأن المقصود بحد القذف إنما هو رفع العار عن النسب، ليس بصحيح، فإن وجهًا مهمًا من الوجوه المقصودة بإقامة حد القذف، هي رفع العار عن العرض أيضًا مع رفعه عن النسب، وليس مما يسهل تحمله لرجل له شرف ومكانة في المجتمع أن تُرمى زوجته، ولا امرأة لها شرف ومكانة في المجتمع أن يرمى زوجها، بالفجور خلافة الإزار. فإذا كانت المطالبة بإقامة الحد على القاذف حقًا يرثه المقذوف بعد موته، فما هناك سبب معقول لأن يحرم منه الزوجان.

8 -وإذا ثبت عن رجل أنه ارتكب القذف، فإن الشيء الوحيد الذي ينقذه من الحد هو أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون في المحكمة بأنهم قد رأوا المقذوف يزني بفلانة، ويجب أن يحضر هؤلاء الشهداء المحكمة مجتمعين ويؤدوا فيها الشهادة في وقت واحد عند الحنفية، لأنهم إن جاؤوا متفرقين، صار كل واحد منهم قاذفًا، عليه أن يأتي بأربعة شهداء. وقد ذهب الإمام الشافعي وعثمان البتي رحمهما الله إلى أنه لا يحصل أي فرق بحضور الشهداء المحكمة مجتمعين أو متفرقين بل الأفضل أن يأتوا واحدًا بعد واحد ويؤدي كل واحد منهم شهادته على حدة، مثل ما يكون في سائر الأقضية. ويجب أن يكون الشهداء متصفين بالعدل -لإقامة الحد على المقذوف- عند الحنفية، فإذا جاء القاذف بأربعة شهداء من الفساق، يسلم عندهم من حد القذف هو، ويسلم المقذوف من حد الزنا لأن الشهداء ليسوا متصفين بالعدل، غير أن القاذف لا يسلم من الحد إن جاء للشهادة بكافر أو أعمى أو عبد أو رجل أُقيم عليه حد القذف من قبل. ويقول الشافعي رحمه الله إن القاذف إذا جاء بالشهداء من الفساق، أُقيم الحد عليه وعلى شهدائه جميعًا، وقد وافقه مالك على هذا الرأي. وعندي أن مذهب الحنفية في هذه القضية هو الأقرب إلى الصواب والعقل، لأن الشهداء إن كانوا متصفين بالعدل برئ القاذف من جريمة القذف وثبتت جريمة الزنا على المقذوف. وأما إن كان الشهود غير متصفين بالعدل، ينشأ الشك في كل شيء من قذف القاذف وارتكاب المقذوف للزنا وصدق الشهود وكذبهم ولا يمكن بناء على الشك أن يلقى الحد أحد منهم.

9 -ومن لم يستطع أن يقدم إلى المحكمة شهادة تبرئه من جريمة القذف، فقد حكم عليه القرآن بثلاثة أحكام: الأول أن يُجلد ثمانين جلدة، والثاني أن لا تقبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت