5 -وكذلك هناك خلاف بين الفقهاء حول اعتبار القذف من الجنايات التي تؤاخذ الناس عليها شرطة الدولة ومحكمتها. فيقول إن أبي ليلى أنه من حق الله، فيجب أن يقام عليه الحد سواء أطالب به المقذوف أو لم يطالب. وهو من حق الله ولكن للمقذوف فيه حق من حيث دفع العار عنه عند أبي حنيفة وأصحابه أيضًا، ولكن بمعنى أنه إذا ثبتت الجريمة على أحد، وجب أن يقام عليه الحد، ولكن يتوقف رفع أمره إلى الحكام على إرادة المقذوف ومطالبته، فهو من هذه الجهة من حقوق العباد، وهذا الرأي هو الذي ذهب إليه الشافعي والأوزاعي. وأما مالك فعنده التفصيل فيقول"إن قذف القاذف بحضور من الإمام يؤاخذ عليه، وإلا فإن إقامة الدعوى عليه، متوقفة على مطالبة المقذوف".
6 -ليس القذف أيضًا من الجرائم التي يجوز التراضي عليها بين الفريقين. أما ما دام المقذوف لم يرفع أمر قاذفه إلى المحكمة فله أن يعفو عنه أو يتراضى معه بما شاء، وأما إذا اتصل أمره بالمحكمة، فيُطالب القاذف بإقامة البينة، ويقام عليه الحد إن لم يُقمها، وليس للمحكمة ولا للمقذوف نفسه أن يعفو عنه ولا له أن يسلم من الحد بأداء غرامة مالية أو بالتوبة والاستغفار. وقد مر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب".
7 -وعند الحنفية لا يُطالب بإقامة الحد على القاذف إلا المقذوف نفسه أو من لحق بنسبه العار لقذفه عندما لم يكن المقذوف نفسه حاضرًا للمطالبة كالوالد والوالدة والأولاد وأولاد الأولاد. وعند مالك والشافعي رحمهما الله، هذا حق من الحقوق القابلة للوراثة. فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد على القاذف فلورثته أن يطالبوا به، غير أنه من العجيب أن الشافعي رحمه الله يستثني من الورثة الزوج والزوجة، ويستدل على ذلك بأن علاقة الزوجية ترتفع بالموت وأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب وهو لا يلحق بالزوج ولا بالزوجة. وهذا استدلال غير قوي في حقيقة الأمر، لأن القول بأن المطالبة بإقامة الحد على القاذف حتى يورث بعد موت المقذوف، ثم القول بأن هذا الحق لا يناله الزوج أو الزوجة لأن صلة الزوجية ترتفع مع الموت، مخالف للقرآن نفسه، فإن القرآن قد اعتبر أحد الزوجين من ورثة الآخر إذا مات. أما القول بأن العار لا يلحق بالزوج إذا قُذفت زوجته ولا بالزوجة إذا قُذف زوجها، فهو إن كان صحيحًا بحق الزوج، لا يصح البتة بحق