الصفحة 71 من 150

ولنأخذ بالبحث الآن عن الشروط اللازمة في فعلة القذف نفسها.

إن كل رمي يُحوّله إلى القذف أحد الأمرين: إما أن يرمي القاذف المقذوف بصريح الزنا، إذا ثبت بشهادة الشهود، وجب عليه الحد، أو يقول عنه أنه ولد الزنا، ولكن يجبالتصريح بارتكابه للزنا في كلتا الحالتين، ولا عبرة بالكناية، فإن إرادة الرمي بالزنا أو الطعن في النسب متوقفة في الكناية على نية القاذف. فإن قال أحد لغيره يا فاجر، أو يا فاسق، أو يا خبيث، أو قال لامرأته يا فاجرة أو يا مؤاجرة أو قال لعربي يا نبطي، فإنما جاء بالكناية وهي لا توجب القذف الصريح.

وكذلك من الكناية أن ينادي أحدًا بكلمات تستعمل عامة عند المخاصمة والسباب كأن يقول له يا ابن الحرام. غير إن الفقهاء قد اختلفوا حول اعتبار التعريض قذفًا، والتعريض عو أن يقول أحد لغيره مثلًا:"يا ابن الحلال أما أنا فما زنيت"أو"ما ولدتني أمي بالزنا". فقال مالك رحمه الله أن من جاء بتعريض يفهم به قطعًا أنه يريد أن يقول عن مخاطبة أنه زان أو أنه ولد بالزنا، وجب عليه حد القذف.

وأما أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وسفيان الثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح، فقالوا أن ليس التعريض قذفًا لأنه على كل حال يحتمل الشك ولأنه الأصل براءة الذمة فلا ينبغي أن يُرجع عنه بالشك. وأما أحمد وإسحاق بن راهويه، فقالا أن التعريض ليس بقذف في حال الرضى والمزاح وهو قذف في حال الغضب والمجادلة. فقد أقام عمر وعلي رضي الله عنهما الحد على التعريض، روي عن عمر أن رجلين إستبّا في زمنه فقال احدهما للآخر"ما أنا بزان ولا أمي بزانية"فاستشار عمر الصحابة في قضيتهما فقال بعضهم مدح أباه وأمه وقال الآخرون أما كان لأبيه وأمه مدح غير هذا؟ فجلده عمر ثمانين جلدة [1] .

وكذلك أن الفقهاء بينهم الخلاف حول اعتبار الرمي بعمل قوم لوط قذفًا. فيقول أبو حنيفة أنه ليس قذفًا، ويقول أبو يوسف ومحمد من أصحابه ومالك والشافعي أنه قذف يجب عليه الحد.

(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت