ذلك في عرضه. ولكن مالكًا والليث بن سعد يقولان إن قاذف المجنون يستحق الحد لأن على كل حال يرميه بما هو بريء منه. وثانيها: أن يكون بالغًا، فإذا قذف أحد صبيًا أو قال عن شاب أنه ارتكب الزنا في صباه فإنه لا يوحب عليه الحد، لأن الصبي كالمجنون لا يستطيع الاهتمام بحفظ عفافه ولأنه لو ثبت عليه الزنا لما كان عليه حد ولا قدح ذلك في عرضه، إلا أن مالكًا يقول بأنه إذا قذف أحد طفلًا يكاد يبلغ الحلم، لا يستحق الحد، وأما إذا قذف بنتًا وهي في سن من الممكن أن يزنى بها فيها، فإنه يستحق الحد، لأن ذلك لا يمس بعرضها وحدها بل يمس كذلك بعرض أسرتها ويفسد عليها مستقبلها. وثالثها: أن يكون مسلمًا أي رُمي بأنه ارتكب الزنا في حالة إسلامه، فإذا قذف أحد الكافر أو قال عن مسلم أنه ارتكب الزنا في حالة الكفر، فإنه لا يستحق الحد. ورابعها: أن يكون حرًا، فمن قذف العبد أو الأمة أو قال عن حُرّ أنه ارتكب الزنا أيام كان عبدًا لم يعتق بعد، فإنه لا يستحق الحد، لأن العبد قد لا يستطيع الاهتمام بحفظ عفافه لما يكون به من الضعف والغلبة على أسره، والقرآن نفسه لا يجعل حالة الرق كحالة الحرية فجاء بكلمة (الْمُحْصَنَاتِ) بإزاء ما ملكت أيمانكم من الفتيات المؤمنات -أي الإماء- في سورة النساء. وقد شذ في هذا الشرط داود الظاهري وقال إن قاذف العبد والأمة أيضًا يستحق الحد. وخامسها: أن يكون عفيفًا بريئًا عن فعل الزنا وشبهته. ومعنى البراءة من الزنا أن لا تكون جريمة الزنا قد ثبتت عليه قبلًا، ومعنى البراءة من شبهة الزنا أن لا يكون قد وطئ بنكاح فاسد أو ملكية مشتبهة، ولا تكون حياته حياة من يمكن أن يصدق عليه الرمي بالفجور والخلاعة ويكون قد ثبت عليه الاتهام بما هو دون الزنا من الأفعال القبيحة المحظورة، لأن هذه الأمور قادحة في عفافه على كل حال، ولا ينبغي أن يستحق ثمانين جلدة من يقذف صاحب مثل هذا العِرْض المفتوح فيه، ولذا إذا قامت على المقذوف بينة بجريمة الزنا قبل أن يقام عليه حد القذف، ترك القاذف لأن المقذوف لم يعد عفافه ثابتًا.
ولكن ليس معنى عدم إقامة الحد في هذه الصور الخمس أن قاذف المجنون أو الصبي أو الكافر أو العبد أو غير العفيف لا يستحق عقوبة بل إنه يستحق التعزير ويبلغ به غايته.