الصفحة 67 من 150

وقد كان الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إذا أتاهما رجل وامرأة زنيا وهما بكران، يضربان عليهما الحد ثم يعقدان بينهما النكاح. فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما: بينما أبو بكر الصديق في المسجد إذ جاء رجل فلاث عليه لوث من كلام -أي كان كلامه غير واضح لما كان به من الفزع والقلق- وهو دهش، فقال أبو بكر لعمر: قم فأنظر في شأنه فإن له شأنًا. فقام إليه عمر، فقال أن ضيفًا ضافه فزنى بابنته، فضرب عمر في صدره وقال: قبحك الله ألا سترت على ابنتك، فأمر بهما أبو بكر فضُربا الحد ثم زوج أحدهما الآخر ثم أمر بهما أن يُغرّبا حولًا. وقد ذكر أبو بكر بن العربي عدة وقائع مثلها في كتابه أحكام القرآن: ج 2 ص 86.

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ -4،5) .

إن المقصود بهذا الحكم أن يُؤدى في المجتمع بأحاديث الناس بالفحشاء والعلاقات المنكرة بين مختلف الأفراد وتناقلهم أخبارها، فإن ذلك مما يأتي بكثير من المضرات والمستقبحات أكبرها أن تتولد في المجتمع شيئًا فشيئًا بيئة للفجور والدعارة على صورة غير مرئية. ترى رجلًا يتلذذ ببيان الأخبار الصحيحة أو غير الصحيحة عن غيره، فإذا بمستمعيه يضيفون إليها ما ليس منها من عند أنفسهم ويزيدونها بشاعة ويحملونها إلى غيرهم، بل ويبينون للناس معها ما يكون عندهم من المعلومات عن الأفراد الآخرين أيضًا. فهكذا لا يغمر المجتمع كله موج من العواطف الشهوانية فحسب، بل ويعلم الذين في قلوبهم مرض أين لهم أن يبلغوا سؤالهم وينالوا بغيتهم في المجتمع. فلأجل كل هذا، تريد الشريعة أن تضرب على أيدي هؤلاء عند أول خطوة وتسد في وجوههم الطريق الذي قد يوصل المجتمع إلى هذا الحد الموبق، فتأمر -في جهة- بأصرم ما يكون من العقاب لمن يرتكب الزنا وقامت عليه البينة، وتأمر في الجهة الأخرى بضرب ثمانين جلدة لمن يرمي غيره بالزنا ولا يأتي عليه بأربعة شهود، حتى لا يتجرأ على مثله في المستقبل. فمن رأى بأم عينيه أحدًا يزني، فعليه أن يلزم نفسه السكوت ولا يفضي بخبره إلى الناس حتى يبقى القذر في موضعه ولا ينتشر منه إلى المواضع الأخرى. وأما إذا كان له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت