الصفحة 65 من 150

(الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ -3) .

إن معنى هذه الآية أن الزاني -ما لم يتب- إن كانت هناك امرأة تليق له، فإنما هي زانية أو مشركة، ولا تليق له امرأة مؤمنة صالحة أبدًا، ولا يجوز لأهل الإيمان أن يزوجوه بناتهم مع علمهم بفجوره وخلاعة إزاره. وكذلك إن كان هناك رجل يليق لامرأة زانية فاجرة -ما لم تتب-، فإنما هو زان أو مشرك، ولا يليق لها رجل مؤمن صالح عفيف البتة. وهذا الحكم إنما ينطبق على أولئك الزناة -من الرجال والنساء- الذين لا يرتدعون عن عادتهم ولا يتوبون عنها. وأما الذين يتوبون عنها ويصلحون أنفسهم، فلا ينطبق عليهم هذا الحكم، لأن صفة"الزنا"لا تبقى ملصقة بهم بعد توبتهم وإصلاحهم أنفسهم.

ومعنى حرمة نكاح الزاني عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، أن نكاحه لا ينعقد أصلًا؛ ولكن الصحيح أن معناه في هذه الآية نهي المؤمنين أن يتصلوا بالزناة -من الرجال والنساء- بصلة النكاح، وليس معناه أنه إذا انعقد نكاح خلافًا لحكم النهي هذا، فإنه لا يكون نكاحا في نظر القانون ولا يكون الفريقان على هذا النكاح إلا زانيين. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة كلية في هذا الشأن بقوله"الحرام لا يحرم حلالًا" [1] أي أن فعلًا غير مشروع لا يجعل فعلًا مشروعًا غير مشروع وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يكون ارتكاب أحد فعلة الزنا، سببًا لجعل نكاحه، إذا نكح بعدها، زنا يشاركه فيه فريقه الثاني على كونه لم يرتكب الزنا قبل هذا النكاح. ومن حيث المبدأ لا يجعل أي عمل غير مشروع -حاشا للبغي أي الخروج على الدولة- صاحبه خارجًا من حدود القانون Out Law لا يكون كل عمل من أعماله مشروعًا أبدًا.

إذا أدركت هذا، رأيت أن مقصود الآية أن الفجار الذين فجورهم ظاهر وخلاعتهم متعالنة في المجتمع، ليس الميل إليهم والاتصال بهم بصلة النكاح، إلا ذنبًا يجب أن يجتنبه أهل الإيمان، لأن ذلك مما يشجع الفجار إذ أن الشريعة تريد

(1) رواه الطبراني والدارقطني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت