الصفحة 64 من 150

خطب فقال"أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنه كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا الحد عليه"وفي رواية"لحدّ يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا"رواهما النسائي وابن ماجه. وقال بعض المفسرين أن المراد بقوله (لَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) أن لا يترك الجاني بعد ثبوت الجريمة عليه ولا أن يخفف من حده، بل يجب أن يضرب مائة جلدة كاملة. وقال بعضهم إن المراد به أن لا يكون الضرب خفيفًا لا يحس الجاني أذاه وألفاظ الآية تحتمل المعنيين، بل الحق أن كلا المعنيين مراد في الآية، على أن الجاني يجب أن يقام عليه نفس الحد الذي قد قرره الله سبحانه وتعالى لجريمته ولا يجوز استبدال عقوبة أخرى به. فإن كانت معاقبة الزاني بشيء آخر غير الضرب بالسوط رحمة به أو شفقة عليه، فهي معصية، وإن كانت على أن الضرب بالسوط عقوبة وحشية، فهي كفر صريح لا يكاد يجتمع لطرفة عين مع الإيمان في صدر واحد. إن الإيمان بالله ثم القول بأنه وحشي -العياذ بالله- لا يمكن إلا لأذل أنواع المنافقين وأنجسهم.

وقوله تعالى (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) معناه أنه يجب أن يقام الحد علنًا على مرأى من عامة الناس ومشهدهم، حتى يفتضح الجاني في جانب ويعتبر به عامة الناس في الجانب الآخر. وهذا ما يوضح لنا نظرية الإسلام في الحدود والعقوبات.

جاء في سورة المائدة بعد بيان حد السرقة (جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ) أي عقوبة رادعة للناس عن ارتكاب الجرائم. وها نحن نجد في هذه السورة الأمر بإقامة الحد على الزاني والزانية علنًا على مشهد من المؤمنين، فذلك ما يعلمنا أن أغراض الحدود في القانون الإسلامي ثلاثة: أولها أن يُنتقم من الجاني لاعتدائه ويذوق وبال السيئة التي قد ألحقها بغيره من أفراد المجتمع نفسه. وثانيها أن يُردع عن إعادة الجريمة، وثالثها أن تجعل من عقوبته عبرة حتى تجري مجرى عملية الجراحة الذهنية على أناس في المجتمع قد تكون في قلوبهم غرائز سيئة فلا يجترئون على ارتكاب مثل هذه الجريمة في المستقبل. ومن فوائد إقامة الحدود علنًا -علاوة على ما تقدم- أن الحكام قلما يجترئون على التخفيف من العقوبة أو الزيادة فيها على وجه غير مشروع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت